استطلاع جديد يكشف تراجع الثقة بالحكومة والديمقراطية الأميركية قبل احتفالات الذكرى الـ250 للاستقلال
واشنطن – المنشر الاخبارى
قبل أيام من احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لإعلان استقلالها، كشفت نتائج استطلاع رأي جديد عن حالة متزايدة من الإحباط الشعبي تجاه الحكومة الأميركية والمسار الذي تسلكه البلاد، حيث أعربت أغلبية ساحقة من الأميركيين عن اعتقادها بأن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كانوا سيشعرون بخيبة أمل كبيرة لو شاهدوا واقع البلاد اليوم.
ويأتي هذا الاستطلاع في وقت تستعد فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتنظيم احتفالات واسعة بمناسبة مرور 250 عاماً على إعلان الاستقلال، وهو الحدث الذي يمثل أحد أهم المحطات التاريخية في تاريخ الولايات المتحدة منذ تأسيسها عام 1776.
غالبية الأميركيين غير راضين
ووفقاً لاستطلاع نشرته مؤسسة “غالوب”، فإن 77 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن الشخصيات التي وقعت إعلان الاستقلال، والمعروفة باسم “الآباء المؤسسين”، لن تكون راضية عن الأوضاع السياسية والاجتماعية الحالية في الولايات المتحدة.
في المقابل، قال 19 بالمئة فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم يعتقدون أن مؤسسي الدولة الأميركية سيكونون راضين عن التطورات التي شهدتها البلاد خلال القرنين والنصف الماضيين.
وتشير النتائج إلى اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، حيث تعكس تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بالنظام السياسي الأميركي مقارنة بالعقود السابقة.
تزايد الإحباط عبر السنوات
وأظهرت بيانات الاستطلاع أن النظرة السلبية تجاه مسار الولايات المتحدة لم تتشكل فجأة، بل تصاعدت بشكل تدريجي خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2001، كان 42 بالمئة فقط من الأميركيين يعتقدون أن الآباء المؤسسين سيشعرون بخيبة أمل تجاه أوضاع البلاد، بينما ارتفعت النسبة إلى 71 بالمئة في عام 2013، لتصل اليوم إلى 77 بالمئة.
ويرى مراقبون أن هذه الزيادة تعكس تراكم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين، بما في ذلك الانقسامات الحزبية الحادة، وتصاعد الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.
الجمهوريون والديمقراطيون يتفقون
ورغم الانقسام السياسي الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن نتائج الاستطلاع أظهرت وجود قدر من الاتفاق بين أنصار الطرفين بشأن تقييم الوضع الحالي.
فحتى بين الجمهوريين، الذين يشكلون القاعدة الرئيسية للرئيس ترامب، لم تتجاوز نسبة من يعتقدون أن الآباء المؤسسين سيكونون راضين عن أميركا الحالية ربع المشاركين تقريباً.
أما الديمقراطيون فقد أبدوا تشاؤماً أكبر تجاه مستقبل البلاد، معتبرين أن الولايات المتحدة ابتعدت بشكل متزايد عن المبادئ التي تأسست عليها.
تراجع التفاؤل بالديمقراطية
وفي استطلاع منفصل أجرته كلية الحقوق بجامعة ماركيت الأميركية، أعرب 66 بالمئة من الأميركيين عن شعورهم بالفخر تجاه بلادهم، إلا أن نصفهم فقط تقريباً قالوا إنهم متفائلون بمستقبل الديمقراطية الأميركية.
وتعكس هذه النتائج مفارقة لافتة، إذ لا يزال كثير من الأميركيين يشعرون بالانتماء الوطني والفخر بتاريخ بلادهم، لكنهم في الوقت ذاته يبدون قلقاً متزايداً حيال مستقبل النظام السياسي والمؤسسات الديمقراطية.
ويرى محللون أن هذه المؤشرات تعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن الأميركي والدولة، وهي أزمة ازدادت حدة في السنوات الأخيرة بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية المتصاعدة.
الوطنية لا تعني الرضا
كما أظهر استطلاع آخر أجرته شبكة “فوكس نيوز” أن الأميركيين لا يزالون يفضلون وصف أنفسهم بأنهم “وطنيون”، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم راضون عن الأوضاع الحالية أو متفائلون بشأن المستقبل.
ويشير هذا التباين إلى أن الانتماء الوطني ما زال قوياً داخل المجتمع الأميركي، إلا أن الثقة بقدرة المؤسسات السياسية على معالجة الأزمات أصبحت أضعف من أي وقت مضى.
إرث الآباء المؤسسين
ويستحضر الأميركيون في هذه المناسبة التاريخية شخصيات بارزة مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين وجون آدامز وألكسندر هاملتون، الذين لعبوا دوراً محورياً في تأسيس الجمهورية الأميركية.
وكان هؤلاء القادة قد صاغوا إعلان الاستقلال الذي تضمن المبادئ الأساسية للدولة الجديدة، ومن أشهر عباراته:
“نعتبر هذه الحقائق بديهية، أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم منحهم حقوقاً غير قابلة للتصرف، من بينها الحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.”
إلا أن العديد من الأميركيين اليوم يتساءلون عما إذا كانت بلادهم ما تزال تجسد هذه المبادئ بالفعل.
تحديات أميركا الحديثة
وتواجه الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات المعقدة، تشمل ارتفاع معدلات الاستقطاب السياسي، وتزايد التوترات العرقية والاجتماعية، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الطبقات، إضافة إلى الجدل المستمر حول قضايا الهجرة والحريات المدنية ودور الولايات المتحدة في العالم.
كما ساهمت الانتخابات المتعاقبة والصراعات الحزبية الحادة في تعميق حالة الانقسام داخل المجتمع الأميركي، ما دفع كثيرين إلى التشكيك في قدرة النظام السياسي على تحقيق التوافق والاستقرار.
احتفالات وسط تساؤلات
وبينما تستعد واشنطن لإطلاق احتفالات ضخمة بالذكرى الـ250 للاستقلال، يبدو أن جزءاً كبيراً من الأميركيين ينظر إلى المناسبة من زاوية مختلفة.
فبدلاً من التركيز فقط على الإنجازات التاريخية للولايات المتحدة، يطرح كثيرون أسئلة حول ما إذا كانت البلاد ما تزال وفية للمبادئ التي قامت عليها قبل قرنين ونصف، وما إذا كانت الديمقراطية الأميركية قادرة على تجاوز أزماتها الحالية.
وتشير نتائج الاستطلاعات الأخيرة إلى أن هذه التساؤلات أصبحت أكثر حضوراً من أي وقت مضى، في لحظة تاريخية يفترض أن تكون مناسبة للاحتفال بتاريخ الولايات المتحدة، لكنها تحولت أيضاً إلى فرصة لمراجعة واقعها ومستقبلها.










