تقرير حقوقي يكشف شبكات تسليح ومرتزقة ويحمّل واشنطن ولندن مسؤولية “غض الطرف” عن دعم يُتهم بإطالة أمد الحرب في السودان
بورتسودان- المنشر_الاخباري
دعم خارجي في قلب الحرب السودانية
كشف تقرير تحليلي أن الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023 باتت تتشابك فيها مصالح إقليمية ودولية معقدة، حيث تتهم تقارير حقوقية وإعلامية جهات خارجية، وعلى رأسها الإمارات، بتقديم دعم غير مباشر أو مباشر لقوات الدعم السريع (RSF)، وهي أحد أطراف النزاع الرئيسي في البلاد.
ويشير التقرير إلى أن هذا الدعم، سواء عبر شبكات تسليح أو وسطاء أو شركات مرتبطة بعمليات لوجستية، أسهم في تعقيد المشهد العسكري وإطالة أمد الصراع، الذي أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في المنطقة.
وتؤكد منظمات دولية أن الحرب في السودان تجاوزت حدود الصراع الداخلي لتصبح ساحة نفوذ إقليمي تتداخل فيها مصالح عدة دول.
اتهامات بوجود “شبكة مرتزقة” عابرة للحدود
أحد أبرز محاور التقرير يتعلق بوجود شبكات تجنيد ومرتزقة أجانب، بينهم مقاتلون من كولومبيا، يُزعم أنهم نُقلوا للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
وبحسب ما ورد في التحقيق، فإن بعض هؤلاء المقاتلين تلقوا تدريبات في مواقع يُعتقد أنها مرتبطة بدعم خارجي، قبل نقلهم إلى مناطق العمليات في دارفور ومحيط الفاشر.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه الشبكات لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن منظومة دعم لوجستي ومالي أكثر تعقيدًا، تربط بين شركات خاصة ووسطاء إقليميين.
كما تثير هذه المعطيات مخاوف من تورط أطفال أو قُصّر في بعض عمليات التجنيد، وهو ما قد يرقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
دور إماراتي مثير للجدل
التقرير يسلط الضوء على اتهامات متكررة لدور إماراتي في دعم أطراف داخل الصراع السوداني، خصوصًا قوات الدعم السريع، عبر قنوات غير مباشرة تشمل شركات أو شخصيات أعمال أو شبكات لوجستية.
ورغم النفي الرسمي المتكرر من أبوظبي لهذه الاتهامات، إلا أن تقارير صادرة عن منظمات حقوقية ولجان تحقيق أممية أشارت إلى وجود مؤشرات على وصول دعم عسكري أو لوجستي إلى أطراف النزاع.
ويؤكد التقرير أن هذا الدعم – في حال ثبوته – يمثل عاملًا رئيسيًا في استمرار الحرب، ويزيد من تعقيد الجهود الدولية للتوصل إلى تسوية سياسية.
موقف أمريكي وبريطاني “حذر”
ينتقد التقرير ما وصفه بسياسة “الغض الطرف” التي تتبعها واشنطن ولندن تجاه الاتهامات الموجهة للإمارات.
ويشير إلى أن الدولتين تفضلان الحفاظ على علاقات استراتيجية مع أبوظبي، بدلاً من اتخاذ خطوات عقابية مباشرة، رغم وجود تقارير تتحدث عن انتهاكات خطيرة مرتبطة بالصراع في السودان.
ويرى التقرير أن هذا النهج أدى إلى “فراغ في المساءلة الدولية”، سمح باستمرار تدفق الدعم إلى أطراف الحرب دون ضغط كافٍ لوقفه.
عقوبات جزئية لا تطال الأطراف الرئيسية
بحسب التقرير، فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات على بعض الأفراد والشركات المرتبطة بعمليات تهريب أو تجنيد مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، لكن هذه الإجراءات لم تمتد إلى شخصيات أو كيانات يُعتقد أنها أكثر تأثيرًا في شبكة الدعم.
ويعتبر التقرير أن هذا النهج الجزئي أضعف فعالية العقوبات، وحوّلها إلى إجراءات رمزية أكثر من كونها أدوات ضغط حقيقية.
كما أشار إلى أن بعض شبكات الدعم المالية واللوجستية ما تزال تعمل عبر دول وسيطة، ما يجعل تتبعها أو تعطيلها أكثر صعوبة.
حرب السودان.. أزمة إنسانية متفاقمة
في موازاة الجدل حول الدعم الخارجي، يشهد السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أدت الحرب إلى نزوح ملايين المدنيين، وانهيار البنية التحتية في عدة مناطق، وتفاقم نقص الغذاء والدواء.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن مناطق واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم تعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، وسط استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويحذر خبراء من أن استمرار التدخلات الخارجية قد يطيل أمد الحرب ويزيد من صعوبة أي تسوية سياسية مستقبلية.
جدل حول المسؤولية الدولية
يفتح التقرير الباب أمام نقاش أوسع حول مسؤولية الدول الكبرى والإقليمية في النزاعات بالوكالة، ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني.
ويرى محللون أن الصراع في السودان أصبح نموذجًا لتداخل المصالح الجيوسياسية مع النزاعات الداخلية، حيث تلعب شبكات الدعم غير المباشر دورًا حاسمًا في تشكيل موازين القوى على الأرض.
كما يشيرون إلى أن غياب ضغط دولي موحد يتيح استمرار هذه الديناميكيات دون حلول جذرية.
دعوات لمحاسبة أوسع
يدعو التقرير إلى توسيع نطاق المساءلة الدولية لتشمل جميع الأطراف التي يُشتبه في دعمها لأي من أطراف النزاع، سواء عبر التمويل أو التسليح أو توفير الدعم اللوجستي.
كما يشدد على ضرورة تفعيل أدوات قانونية مثل العقوبات المرتبطة بحقوق الإنسان، وتعزيز دور التحقيقات الدولية المستقلة في تتبع مصادر الدعم.
ويخلص إلى أن إنهاء الحرب في السودان لن يكون ممكنًا دون معالجة جذور التدخل الخارجي، إلى جانب التوصل إلى تسوية سياسية داخلية شاملة.










