مع اقتراب انطلاق الجلسات البرلمانية المخصصة لمناقشة مشروع مخطط التنمية (2026-2030) يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، يشهد مجلس نواب الشعب التونسي حالة من الغليان والانقسام.
فقد أثار مشروع القانون رقم 42/2026، الذي يحمل تطلعات الدولة للسنوات الخمس القادمة، موجة من الانتقادات اللاذعة من قبل نواب اعتبروا الوثيقة “إنشائية” وتفتقر إلى آليات التنفيذ والتمويل الواضحة.
غضب برلماني وتشكيك في الجدوى
عبر النائب أحمد السعيداني عن رفضه القاطع للمخطط، موجهاً انتقادات لاذعة للحكومة ومطالباً برحيلها، معتبراً أن البلاد “لم يعد في مقدورها تحمل المزيد من الخيبات”.
وفي السياق ذاته، سلط النائب محمد علي الضوء على إشكالية جوهرية تتعلق بضيق الوقت، حيث خصص البرلمان 10 أيام فقط لمناقشة وثيقة تتجاوز 300 صفحة، وهو ما اعتبره “قصوراً عن الاضطلاع بالدور الدستوري في الرقابة والمساءلة”.
وتتركز أبرز مآخذ النواب على “غموض التمويل”؛ إذ يطمح المخطط لتنفيذ نحو 49 ألف مشروع بتكلفة تتجاوز 102 مليار دينار، دون أن يحدد المخطط مصادر هذه التمويلات بدقة في ظل الضغوط الكبيرة التي تعاني منها المالية العمومية، وتفاقم الدين العام، وعجز الميزانية.
مفارقة بين “التشاركية” والواقع
ورغم تأكيد الحكومة أن المخطط يعتمد على “مقاربة تصاعدية” تبدأ من الجهات وصولاً للمركز، إلا أن عدداً من النواب أكدوا غيابهم التام عن مراحل إعداد الأرقام والتفاصيل.
ويرى النائب محمد علي أن هناك “مفارقة بين الخطاب والممارسة”؛ فبينما يرفع المخطط شعارات العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والتعويل على الذات، فإنه في واقع الأمر يظل رهيناً لخيارات تقليدية تراهن بشكل مكثف على الاستثمار الأجنبي والاندماج في الاقتصاد العالمي.
ويشير المنتقدون إلى أن الوثيقة يغلب عليها الطابع الإنشائي، مع تكرار مصطلحات عامة مثل “التطوير” و”التعزيز” دون وضع مؤشرات دقيقة للأداء أو جداول زمنية صارمة للمسؤوليات التنفيذية.
كما يغيب عن المخطط رؤية صناعية واضحة تحدد القطاعات الاستراتيجية التي ستقود التحول الاقتصادي، مكتفياً بالتركيز التقليدي على مناخ الأعمال وتحسين جاذبية الاستثمار.
رهانات المستقبل
يعتبر مخطط التنمية 2026-2030 الإطار المرجعي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لتونس حتى نهاية العقد، حيث يركز على قطاعات حيوية كالفلاحة، الطاقة المتجددة، والرقمنة.
لكن غياب الربط بين الأهداف الطموحة والموارد البشرية والمالية اللازمة لتحقيقها يجعله أمام تحدٍ وجودي.
وتأتي هذه المناقشات في وقت حساس جداً للبلاد، حيث يترقب المواطنون نقلة نوعية تخرج الاقتصاد من حالة البطء في النمو، وتواجه معضلة البطالة المتفاقمة.
وبينما تستعد اللجان البرلمانية، مثل لجنة التخطيط الاستراتيجي والمالية، لبدء ماراثون النقاشات، يظل السؤال المطروح: هل ستنجح التعديلات البرلمانية في تحويل هذه الوثيقة من “طموح سياسي” إلى “خارطة طريق تنفيذية” قابلة للتطبيق، أم سيتحول المخطط إلى مجرد حبر على ورق في ظل غياب آليات المتابعة والمساءلة؟ الأيام العشرة القادمة في قبة البرلمان ستكون حاسمة لرسم ملامح تونس الاقتصادية للسنوات الخمس المقبلة.










