في تحول جذري يعكس حالة من الترقب والحذر التي تسيطر على الأسواق العالمية، قامت البنوك الاستثمارية الكبرى في “وول ستريت” بسحب توقعاتها السابقة بشأن خفض أسعار الفائدة الأمريكية.
وبات الإجماع العام في الأوساط المالية يشير إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، سيعتمد سياسة “التجميد” لأسعار الفائدة حتى نهاية العام الحالي 2026، مما ينهي التفاؤل السابق ببدء دورة تيسير نقدي وشيكة.
تقرير “بنك كوريا” يكشف التحول
أفاد مكتب بنك كوريا في نيويورك، في تقريره الصادر بتاريخ 29 يونيو 2026 تحت عنوان “التوقعات الاقتصادية الأمريكية والقضايا الرئيسية للنصف الثاني من عام 2026″، أن مشهد السياسة النقدية الأمريكية قد شهد تغيراً جوهرياً. ووفقاً للبيانات التي جمعها البنك، فإن الأغلبية الساحقة من البنوك الاستثمارية الكبرى باتت تعتقد أن دورة خفض الفائدة التي كان يراهن عليها المستثمرون قد انتهت قبل أن تبدأ فعلياً.
خريطة توقعات البنوك الكبرى
تشير الأرقام الصادرة عن بنك كوريا إلى انقسام حاد في الآراء، مع غلبة واضحة لمعسكر “التجميد” (7 من 10)، حيث اتفقت مجموعة من العمالقة الماليين، تضم “جي بي مورغان”، و”باركليز”، و”ويلز فارجو”، و”نومورا”، و”بنك تي دي”، و”جولدمان ساكس”، و”مورجان ستانلي”، على أن الاحتياطي الفيدرالي سيحافظ على أسعار الفائدة في نطاقها الحالي البالغ 3.50-3.75% طوال الفترة المتبقية من العام.
معسكر التشديد (2 من 10) على النقيض من التوقعات السائدة، يتوقع “بنك أوف أمريكا” و”دويتشه بنك” سيناريو أكثر صرامة، حيث يرجح الأول إجراء ثلاث زيادات في أسعار الفائدة (بإجمالي 0.75 نقطة مئوية)، بينما يتوقع الثاني زيادتين (بإجمالي 0.50 نقطة مئوية) خلال النصف الثاني من العام.
أما معسكر التيسير (1 من 10) يظل بنك “سيتي” الجهة الوحيدة التي تتمسك بفرضية الخفض، حيث يتوقع تحركاً بمقدار 0.50 نقطة مئوية في الربع الأخير من العام.
لماذا تراجعت التوقعات؟
أرجع مكتب بنك كوريا في نيويورك هذا التراجع في التوقعات إلى مزيج من “عاصفة كاملة” من التحديات الاقتصادية والجيوسياسية. وأبرز هذه الأسباب:
و تصاعد مخاطر التضخم الناتجة عن اضطرابات أسعار النفط العالمية، المرتبطة بشكل مباشر بالتوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط وحصار مضيق هرمز، وهو ما يعرقل سلاسل التوريد.
وبقاء سوق العمل الأمريكي قوياً بشكل غير متوقع، مما يقلل من حاجة الاحتياطي الفيدرالي للتدخل التحفيزي.
كما تشير تقديرات البنوك إلى أن التضخم في الولايات المتحدة قد يتجاوز حاجز الـ 3% بنهاية العام، مدفوعاً بأسعار الطاقة والطلب المرتفع المرتبط بالاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الاقتصاد الأمريكي بين الاستهلاك والاستثمار
وفيما يخص المحركات الاقتصادية، تتوقع البنوك تباطؤاً في تعافي الاستهلاك الخاص، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي. ويعود ذلك إلى تلاشي الأثر الإيجابي لتخفيضات العبء الضريبي المرتبطة بتطبيق قانون “OBBBA”، بالإضافة إلى تآكل الدخل الحقيقي للمواطنين تحت ضغط ارتفاع أسعار الوقود والطاقة.
ومع ذلك، يظل التفاؤل قائماً بشأن النمو الإجمالي للاقتصاد، حيث يُنتظر أن يتجاوز معدل النمو 2% هذا العام. هذا “النمو الصحي” يعتمد بشكل أساسي على زخم الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي تعمل كصمام أمان يعوض التباطؤ في قطاعات الاستهلاك التقليدية.
رؤية مستقبلية: المخاطر الكامنة
لا يزال المشهد الاقتصادي محفوفاً بعدم اليقين، حيث حدد مكتب نيويورك ثلاثة عوامل رئيسية ستشكل بوصلة السوق في الأشهر المقبلة في مقدمتها غموض النتائج النهائية للمفاوضات الأمريكية الإيرانية.
و التغيرات المحتملة في السياسات الاقتصادية والتوجهات العامة عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، ومدى قدرة استثمارات مرافق الذكاء الاصطناعي على الحفاظ على استدامتها وتأثيرها الإيجابي على الإنتاجية الاقتصادية على المدى الطويل.
قرار وول ستريت بالعدول عن توقعاتها ليس مجرد رقم أو إحصائية، بل هو اعتراف بواقع اقتصادي جديد يتسم بالتقلبات الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية، وهو ما يضع “كيفن وارش” والاحتياطي الفيدرالي أمام تحدٍ معقد للموازنة بين كبح التضخم وضمان استمرارية النمو في ظل عالم متغير.










