عودة رئيس مجلس السيادة إلى القصر تعكس انتقال مؤسسات الحكم من بورتسودان إلى العاصمة وسط استمرار المعارك في مناطق سودانية عدة
الخرطوم- المنشر_الاخباري
استأنف رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان نشاطه الرسمي من داخل القصر الجمهوري في الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، في خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية كبيرة بشأن عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة السودانية.
ووصل البرهان إلى القصر الجمهوري، الخميس، لتسلّم أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد، بالتزامن مع استمرار عملية إعادة الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى الخرطوم بعد أن أدارت أعمالها من مدينة بورتسودان شرقي البلاد لأكثر من ثلاثة أعوام.
وتزامنت عودة البرهان مع استكمال أعمال إصلاح وترميم القصر الجمهوري، الذي تعرض لأضرار واسعة خلال المعارك التي شهدتها الخرطوم منذ بداية الحرب، بعدما تحول المبنى ومحيطه إلى أحد أبرز محاور القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتظهر عودة رئيس مجلس السيادة إلى القصر أن السلطات السودانية تسعى إلى تثبيت الخرطوم مجدداً مركزاً سياسياً وإدارياً للبلاد، بعد سنوات اضطرت خلالها مؤسسات الحكم إلى العمل من بورتسودان بسبب المعارك التي عطلت الحياة الحكومية في العاصمة.
وكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على القصر الجمهوري في الأيام الأولى للحرب، قبل أن يعلن الجيش استعادته في مارس/آذار 2025 خلال تقدمه في وسط الخرطوم. وتعرض المبنى خلال فترة المعارك لحرائق وأضرار طالت أجزاء من منشآته ومرافقه ومقتنياته.
وبعد استعادة القصر، لم يعد مباشرة إلى العمل الرسمي بسبب حجم الأضرار والحاجة إلى إعادة تأهيله، قبل أن تبدأ عمليات ترميم وتجهيز خلال الأشهر الماضية تمهيداً لاستئناف النشاط الحكومي داخله.
عودة تدريجية لمؤسسات الدولة
وأدت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 إلى خروج معظم مؤسسات الدولة من الخرطوم، حيث أصبحت بورتسودان مركزاً مؤقتاً لإدارة الحكومة واستضافة اجتماعات مجلس الوزراء والوزارات والهيئات الحكومية.
ومع تحسن الوضع الأمني في العاصمة واستعادة الجيش مناطق واسعة منها، بدأت الحكومة إعداد خطة لإعادة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم على مراحل، بالتزامن مع إعادة تأهيل المباني والمنشآت التي تضررت خلال القتال.
وفي أغسطس/آب 2025، عقد مجلس الوزراء جلسة في الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، في مؤشر على بداية الانتقال الفعلي للنشاط الحكومي إلى العاصمة.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الحكومة عودتها رسمياً إلى الخرطوم ومباشرة أعمالها من مقارها بالعاصمة، قبل أن تتواصل عملية إعادة المؤسسات الحكومية والقومية تدريجياً.
وتأتي عودة البرهان إلى القصر الجمهوري لتمنح هذه العملية زخماً سياسياً ورمزياً، باعتبار القصر أحد أهم رموز الدولة ومقر النشاط الرسمي لرئيس مجلس السيادة.
القصر رمز للسيطرة على الخرطوم
ومنذ بداية الحرب، كان القصر الجمهوري أحد المواقع التي عكست طبيعة الصراع على السيطرة على الخرطوم.
فوجود قوات الدعم السريع داخله كان يمثل رمزاً لسيطرتها على أجزاء مهمة من العاصمة، في حين شكّلت استعادته من جانب الجيش أحد أبرز التطورات الميدانية في معركة الخرطوم.
ومع عودة البرهان إليه، تحاول السلطات السودانية إظهار أن العاصمة استعادت جانباً مهماً من وظائفها السياسية والإدارية، رغم استمرار التحديات الأمنية والإنسانية الناجمة عن الحرب.
ولا تزال عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم تواجه تحديات كبيرة، في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمقار الحكومية والخدمات الأساسية، فضلاً عن استمرار القتال في مناطق أخرى من البلاد.
حرب مستمرة وأزمة إنسانية واسعة
ورغم استعادة الجيش مناطق واسعة من العاصمة، لم تتوقف الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولا تزال المواجهات مستمرة في عدد من الولايات والمناطق، وسط محاولات إقليمية ودولية للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع.
وأدت الحرب إلى واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم، مع تدمير واسع للمنازل والمرافق العامة وتعطيل قطاعات حيوية من الاقتصاد والخدمات.
وبحسب أرقام أوردتها الأمم المتحدة والسلطات المحلية، خلفت الحرب أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، بينما أشارت دراسة أجرتها جامعات أميركية عام 2024 إلى أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير، وقدرته بنحو 130 ألفاً.
وتعكس عودة البرهان إلى القصر الجمهوري، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من مغادرة مؤسسات الحكم للعاصمة، محاولة لإعادة تثبيت مركز الدولة في الخرطوم، لكنها لا تعني انتهاء الحرب، في وقت يبقى فيه مستقبل السودان مرتبطاً بقدرة الأطراف على التوصل إلى حل سياسي وإنهاء القتال وإعادة بناء مؤسسات الدولة والمناطق التي دمرتها الحرب.










