تقرير استخباراتي يكشف حربًا هجينة غير مسبوقة امتدت 15 شهرًا عبر 13 دولة أوروبية، استخدمت فيها موسكو سفنًا خاضعة للعقوبات كمنصات سرية لإطلاق طائرات مسيّرة فوق قواعد نووية وقواعد حلف الناتو الحساسة
موسكو – المنشر_الاخباري
في تطور يُنذر بمرحلة جديدة وأكثر تعقيدًا من الصراع بين روسيا والغرب، كشف تقرير صادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) عن عملية استخباراتية روسية واسعة النطاق استمرت 15 شهرًا، اعتمدت على ما يُعرف بـ«أسطول الظل» من ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، لتحويلها إلى منصات عائمة لإطلاق طائرات مسيّرة فوق أهداف عسكرية ونووية حساسة في أوروبا.
وبحسب التقرير، فإن العملية التي امتدت بين أغسطس 2024 وفبراير 2026 شملت 13 دولة أوروبية، واستهدفت قواعد جوية وبحرية شديدة الحساسية، إضافة إلى منشآت نووية وبنى تحتية استراتيجية مدنية تُعد جزءًا من منظومة الأمن القومي لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
التقرير وصف العملية بأنها «نموذج متقدم من الحرب الهجينة البحرية–الجوية»، حيث لم تعد السفن مجرد أدوات نقل تجاري، بل تحولت إلى منصات استخباراتية متحركة قادرة على تنفيذ عمليات استطلاع عميق داخل المجال الجوي لدول الناتو دون دخول مباشر للأجواء الإقليمية.
أسطول الظل: من تجارة النفط إلى حرب الظلال
وفقًا للمعطيات الواردة، اعتمدت موسكو على شبكة معقدة من ناقلات النفط التي تعمل خارج الإطار التأميني الغربي وتخضع لعقوبات دولية، وتُعرف في الأدبيات الغربية باسم «Shadow Fleet».
هذه السفن، التي يفترض أنها تعمل في نقل النفط الخام والمنتجات البترولية، تم توظيفها بشكل مختلف تمامًا في هذه العملية، حيث جرى تحويل بعضها إلى منصات إطلاق للطائرات المسيّرة، مع تزويدها بأنظمة اتصال وتوجيه متقدمة تسمح بإطلاق وإدارة عمليات استطلاع جوي من على بعد مئات الكيلومترات من الهدف.
أبرز هذه السفن التي تم تتبعها في التقرير هي ناقلة تحمل اسم Hav Dolphin، والتي رُصدت في عدة مواقع حساسة، من بينها السواحل البريطانية قرب مدينة هال، ثم لاحقًا قرب بورتسموث خلال فترات تزامنت مع خروقات جوية فوق قواعد عسكرية أوروبية.
أهداف نووية في قلب أوروبا
أخطر ما كشفه التقرير أن هذه العمليات لم تكن عشوائية أو محدودة النطاق، بل ركزت بشكل مباشر على منشآت نووية غاية في الحساسية داخل منظومة الردع الغربي.
في بريطانيا، استهدفت الطائرات المسيّرة قاعدة RAF Lakenheath في مقاطعة سوفولك، وهي قاعدة أمريكية تخضع لتحديثات استعدادًا لاستضافة أسلحة نووية تكتيكية جديدة.
وقد سجلت الاستخبارات الغربية سلسلة من الاختراقات الجوية المتكررة استمرت لعدة أيام في نوفمبر 2024، ما أثار تساؤلات داخل البنتاغون حول قدرة الدفاعات الجوية على رصد التهديدات منخفضة البصمة.
وفي فرنسا، استُهدفت قاعدة Île Longue في بريتاني، والتي تُعد القلب البحري للترسانة النووية الفرنسية، حيث تتمركز غواصات الصواريخ الباليستية النووية.
كما طالت العمليات قواعد في بلجيكا وهولندا، تشمل منشآت يُعتقد أنها مرتبطة بقدرات الناتو النووية غير المعلنة ضمن سياسة المشاركة النووية.
تكتيك جديد بعد انهيار الشبكات الاستخباراتية التقليدية
يرى محللون أن هذا التحول في أسلوب العمل الروسي جاء نتيجة مباشرة للضربات الاستخباراتية المضادة التي تلقتها موسكو بعد عام 2022، والتي أدت إلى تفكيك جزء كبير من شبكاتها البشرية في أوروبا.
وبحسب التقرير، فإن روسيا عوضت هذا النقص عبر الانتقال إلى ما يُعرف بـ«الاستخبارات الميكانيكية»، أي استخدام أدوات مادية متحركة بدلًا من الاعتماد على العملاء البشريين التقليديين.
هذا التحول أدى إلى دمج ثلاثة عناصر رئيسية:
- سفن مدنية تعمل كغطاء بحري.
- طائرات مسيّرة صغيرة بعيدة المدى.
- أنظمة ملاحة واتصال مشفرة تعمل عبر قنوات غير تقليدية.
النتيجة كانت شبكة استطلاع متنقلة يصعب رصدها أو تعطيلها عبر الوسائل التقليدية.
قواعد الناتو تحت الاختبار
التقرير يشير إلى أن هذه العمليات لم تكن فقط لجمع المعلومات، بل كانت اختبارًا مباشرًا لقدرات الناتو الدفاعية، خاصة في مجال مواجهة الطائرات الصغيرة منخفضة البصمة.
ففي العديد من الحالات، تمكنت الطائرات المسيّرة من التحليق فوق أهداف عسكرية حساسة لفترات وصلت إلى ساعات، دون تدخل فوري من أنظمة الدفاع الجوي، ما كشف عن فجوة تقنية في التعامل مع التهديدات منخفضة التكلفة وعالية التأثير.
كما أشار التقرير إلى أن بعض الطائرات كانت تعمل ضمن مسارات بحرية، ما جعل عملية رصدها أكثر تعقيدًا بسبب اختلاطها بحركة الملاحة التجارية الطبيعية.
الهجمات المتزامنة: بصمة غرفة عمليات مركزية
من أبرز ما أثاره التقرير هو نمط التزامن في العمليات، والذي يشير إلى وجود مركز قيادة واحد يدير هذه الأنشطة عبر مسارح متعددة.
في إحدى الحوادث البارزة، تم تسجيل اختراق جوي فوق سفينة بحرية إيرلندية بالتزامن مع زيارة رسمية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دبلن، ما اعتبره بعض الخبراء رسالة استخباراتية ذات طابع سياسي.
وفي حادثة أخرى، تم رصد طائرات مسيّرة تحلق فوق حاملة طائرات فرنسية، في خطوة وصفت بأنها «تصعيد محسوب» يهدف إلى اختبار رد الفعل الأوروبي دون تجاوز العتبة العسكرية المباشرة.
حرب الظل البحرية: تهديد يتجاوز أوكرانيا
التقرير يخلص إلى أن ما يجري لا يمكن فهمه ضمن إطار الحرب في أوكرانيا فقط، بل هو جزء من إعادة تشكيل أوسع لطبيعة الصراع بين روسيا والغرب.
فبدلًا من المواجهة المباشرة، باتت موسكو تعتمد على أدوات غير تقليدية تتيح لها العمل في مناطق رمادية بين السلم والحرب، حيث يصعب تحديد المسؤولية المباشرة أو تفعيل رد عسكري فوري.
ويرى الخبراء أن هذا النمط من العمليات قد يمثل مستقبل الصراعات الدولية، حيث تختفي الحدود بين المدني والعسكري، وبين التجارة والحرب.
الناتو أمام معادلة جديدة
أمام هذا التطور، يجد حلف الناتو نفسه أمام تحدٍ استراتيجي معقد، يتمثل في كيفية مواجهة تهديدات لا تأتي من جيوش تقليدية، بل من بنى تحتية مدنية تُستخدم كأدوات حرب.
وبحسب تقديرات أمنية، فإن تطوير أنظمة دفاع قادرة على رصد واعتراض الطائرات المسيّرة الصغيرة المنطلقة من منصات بحرية متحركة قد يستغرق سنوات، وهو ما يمنح روسيا – وفق التقرير – هامشًا عملياتيًا واسعًا في المرحلة الحالية.
خلاصة: حرب بلا إعلان… وسماء بلا حدود
ما تكشفه هذه العملية هو أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالدبابات والصواريخ، بل عبر شبكات خفية تتحرك بين التجارة والطاقة والملاحة الجوية.
أسطول الظل الروسي، كما يصفه التقرير، لم يعد مجرد أداة لالتفاف على العقوبات، بل تحول إلى ذراع استخباراتي عائم، يعيد تعريف مفهوم الحرب في القرن الحادي والعشرين.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة من «حرب الظلال»، حيث لا تأتي التهديدات من الحدود، بل من البحر… ومن سفن تبدو في ظاهرها تجارية، لكنها تحمل في باطنها سماءً كاملة من الطائرات المسيّرة.










