الدوحة – المنشر_الاخباري
في مشهد سياسي شديد الحساسية يعكس حجم التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، أنهت الولايات المتحدة وإيران جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في العاصمة القطرية الدوحة دون تحقيق أي تقدم حاسم، على أن تُستأنف المحادثات بعد مراسم جنازة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي المقررة في 9 يوليو/تموز، وفق مصادر دبلوماسية مطلعة.
ورغم محاولات الوساطة القطرية تقديم اللقاء باعتباره “خطوة إيجابية إلى الأمام”، فإن مجريات النقاشات تشير إلى أن الفجوة بين الجانبين ما زالت واسعة، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية المتعلقة بمضيق هرمز، وتجميد الأصول الإيرانية، ومستقبل العقوبات الاقتصادية.
جولة تفاوضية “تُعيد النقاش إلى نقطة الصفر”
بحسب مصادر قريبة من الوفود المشاركة، فإن الجولة الأخيرة لم تحقق تقدماً يذكر، بل أعادت طرح ملفات سبق أن نوقشت في اتفاقات مؤقتة خلال الأسابيع الماضية، ما أثار تساؤلات حول جدوى استئناف الحوار في هذه المرحلة.
وتقول مصادر دبلوماسية إن الطرفين “دارا في حلقة مفرغة” حول قضايا تقنية وسياسية معقدة، أبرزها آلية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
ورغم أن البيان القطري الرسمي وصف النقاشات بأنها “بناءة وتحقق تقدماً نسبياً”، فإن هذا الوصف لا يبدو كافياً لإخفاء حقيقة أن الملفات الجوهرية ما زالت دون أي حلول عملية.
الملف النووي… الغائب الأكبر عن الطاولة
المفارقة الأبرز في هذه الجولة أن الملف النووي الإيراني، الذي كان تاريخياً محور الصراع بين واشنطن وطهران، لم يكن ضمن النقاشات التقنية المباشرة هذه المرة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال في تصريحات للصحفيين إن “مسار نزع التخصيب النووي في إيران يسير بشكل جيد”، إلا أن مصادر مشاركة في المفاوضات أكدت أن الملف النووي لم يُطرح فعلياً على طاولة الحوار، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول استراتيجية واشنطن الجديدة في إدارة الأزمة.
من جانبه، أشار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى أن “الملف النووي سيتم تناوله لاحقاً”، في إشارة إلى أن الأولويات الحالية تتركز على الملفات الاقتصادية والبحرية، خصوصاً ما يتعلق بالممرات التجارية الحيوية في الخليج.
مضيق هرمز… العقدة التي لا تنفك
يبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في أي تفاوض بين الجانبين، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم، ما يجعله شرياناً اقتصادياً عالمياً لا يمكن تجاوزه.
الاتفاق المؤقت الذي نوقش سابقاً كان يقضي بإعادة فتح الممر البحري بشكل أوسع، إلا أن طهران لا تزال تلوّح بإمكانية فرض رسوم عبور جديدة بدءاً من منتصف أغسطس/آب، بعد انتهاء فترة الإعفاء المؤقت.
هذا التوجه الإيراني أثار قلقاً واسعاً في أسواق الطاقة، خصوصاً مع حساسية أسعار النفط لأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي.
وفي تطور لافت، ذكرت وسائل إعلام إيرانية وقوع حادثة لسفينة حاويات أجنبية بعد انحرافها عن مسارها المحدد، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من اضطرابات ملاحية محتملة في المنطقة.
جنازة خامنئي… موعد سياسي لا ديني فقط
قرار تأجيل الجولة المقبلة من المحادثات إلى ما بعد جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي لا يحمل فقط بُعداً بروتوكولياً، بل يعكس حساسية المرحلة السياسية داخل إيران.
فالمشهد الداخلي الإيراني يمر بمرحلة إعادة ترتيب محتملة، في ظل تساؤلات حول مستقبل القيادة العليا، وتوازنات القوى داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
ويرى محللون أن واشنطن تفضل انتظار اتضاح الصورة داخل طهران قبل الدخول في أي التزامات جديدة، بينما تحاول إيران استثمار المرحلة الانتقالية لتعزيز موقعها التفاوضي.
الاقتصاد يفرض إيقاعه على السياسة
الأسواق العالمية كانت حاضرة بقوة في خلفية المفاوضات، إذ تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة أشهر بعد تصريحات أمريكية اعتُبرت “مطمئنة نسبياً” بشأن استمرار تدفق الإمدادات.
لكن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة استقراراً طويل الأمد، إذ حذر محللون من أن أي فشل في التوصل إلى اتفاق نهائي حول مضيق هرمز قد يعيد الأسعار إلى مستويات مرتفعة بسرعة كبيرة.
كما أن العقوبات الأمريكية لا تزال تشكل ضغطاً كبيراً على الاقتصاد الإيراني، الذي يواجه تحديات داخلية تتعلق بتراجع الاستثمارات، وانخفاض قيمة العملة، وتباطؤ النمو.
وساطة قطرية بين ضغوط متناقضة
قطر، التي تستضيف المحادثات، تلعب دور الوسيط الدبلوماسي في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن المهمة تبدو معقدة للغاية في ظل التباين العميق في الأهداف الاستراتيجية لكل من واشنطن وطهران.
فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط النفوذ الإيراني في المنطقة وضمان أمن الملاحة، تحاول إيران تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية.
مستقبل مفتوح على احتمالات متعددة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى اتفاق شامل، فيما يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون امتداداً لحالة “اللا حرب واللا سلام” التي تطبع العلاقة بين الجانبين منذ سنوات.
ومع اقتراب موعد الجولة الجديدة بعد 9 يوليو، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة: من تفاهمات جزئية محدودة، إلى عودة التوترات بشكل أوسع في حال فشل الدبلوماسية في تحقيق اختراق حقيقي.
في المحصلة، تبدو محادثات الدوحة الأخيرة وكأنها مجرد محطة مؤقتة في مسار طويل ومعقد، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، والديناميكيات الإقليمية بالضغوط الدولية، في لعبة توازن دقيقة قد تحدد شكل المنطقة لسنوات قادمة.










