حملة مصرية تكشف اتساع تهريب الذهب على حدود السودان
بورتسودان- المنشر_الاخباري
كشف تقرير صادر عن “ذا سوفان سنتر” أن السلطات المصرية احتجزت مئات الأشخاص، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، وصادرت معدات كبيرة خلال عملية أمنية واسعة استهدفت أنشطة التعدين غير القانوني وتهريب الذهب على الحدود مع السودان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف الإقليمية من اتساع اقتصاد الذهب غير الرسمي في السودان، والذي ارتبط بشكل مباشر بالحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ عام 2023، وتحول إلى أحد أبرز مصادر تمويل النزاع.
ويرى التقرير أن الحدود المصرية–السودانية باتت نقطة حساسة تتقاطع فيها تدفقات اللاجئين مع شبكات تهريب المعادن والأنشطة غير المشروعة، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على الأمن الإقليمي.
الذهب من مورد اقتصادي إلى محرك للحرب
يوضح التقرير أن الذهب أصبح المورد الاقتصادي الأهم في السودان بعد فقدان الجزء الأكبر من عائدات النفط عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، ما دفع الدولة إلى الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للإيرادات.
لكن مع اندلاع الحرب، تحول هذا القطاع تدريجياً إلى ركيزة أساسية في اقتصاد الصراع، إذ باتت كل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني تعتمد على عائدات الذهب، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتمويل عملياتها العسكرية.
ويشير التقرير إلى أن انهيار مؤسسات الدولة وتراجع النظام المصرفي الرسمي فتح الباب أمام توسع واسع للاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالذهب، ليصبح جزءاً من بنية الحرب نفسها.
تنافس مسلح على مواقع الإنتاج وطرق التهريب
بحسب التقرير، تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق واسعة من إنتاج الذهب في دارفور وكردفان، مستفيدة من وجودها العسكري وشبكات النفوذ المحلية، إضافة إلى سيطرتها على طرق النقل.
في المقابل، يحتفظ الجيش السوداني بموطئ قدم في بعض مواقع التعدين الرسمية الخاضعة للدولة، ما يخلق تنافساً مباشراً بين الطرفين على الموارد الطبيعية.
ويشير التحليل إلى أن هذا التنافس لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح جزءاً من استراتيجية الحرب، حيث تمثل السيطرة على الذهب مصدراً رئيسياً للنفوذ والتمويل.
التعدين الأهلي: اقتصاد البقاء وسط الفوضى
يرصد التقرير توسعاً كبيراً في التعدين الأهلي للذهب، الذي أصبح ملاذاً اقتصادياً لملايين السودانيين في ظل انهيار الزراعة وفقدان الوظائف.
ويُقدَّر أن نحو مليوني شخص يعملون في هذا القطاع، في ظروف تفتقر إلى الرقابة والمعايير الأساسية للسلامة، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والعمل القسري والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة.
كما يحذر التقرير من المخاطر البيئية والصحية المرتبطة باستخدام مواد سامة مثل الزئبق والسيانيد، والتي تؤدي إلى تلوث المياه والتربة وتدهور النظم البيئية في مناطق واسعة.
شبكات تهريب عابرة للحدود
يشير التقرير إلى أن الذهب السوداني لا يبقى داخل البلاد، بل يتحرك عبر شبكات تهريب تمتد إلى مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، قبل أن يصل إلى الأسواق الدولية.
وتعمل هذه الشبكات في بيئة ضعيفة الرقابة، ما يسمح بخروج كميات كبيرة من الذهب عبر القنوات غير الرسمية، وبالتالي حرمان الدولة من إيرادات ضخمة.
كما يلفت التقرير إلى أن هذه الشبكات لا تنفصل عن أنشطة تهريب أخرى تشمل السلاح والمخدرات والبشر، ما يخلق اقتصاداً إقليمياً غير مشروع متشابكاً.
تمويل الحرب واستمرار الصراع
يرى التقرير أن كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لديهما حوافز قوية للحفاظ على اقتصاد الذهب غير الرسمي، لأنه يمثل مصدراً أساسياً للعملة الصعبة التي تموّل العمليات العسكرية.
ويحذر من أن أي محاولة لتنظيم هذا القطاع أو إخضاعه لرقابة الدولة ستصطدم مباشرة بمصالح الأطراف المسلحة، ما يجعل إصلاحه صعباً في ظل استمرار الحرب.
وبالتالي، فإن الذهب لم يعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح جزءاً من آلية استمرار الحرب نفسها.
تداعيات إقليمية متصاعدة
يحذر التقرير من أن توسع اقتصاد الذهب غير القانوني في السودان يهدد بإعادة تشكيل المشهد الأمني في شمال وشرق أفريقيا.
وتواجه دول الجوار، وعلى رأسها مصر وتشاد وأفريقيا الوسطى، ضغوطاً متزايدة نتيجة:
- توسع شبكات التهريب عبر الحدود
- تدفق اللاجئين من السودان
- احتمال تسلل جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية منظمة
ويشير التقرير إلى أن استمرار الحرب دون معالجة هذا الاقتصاد الموازي قد يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي.
مصر في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة
يبرز التقرير أن مصر من أكثر الدول تأثراً، نظراً لطول حدودها مع السودان وحساسيتها الأمنية.
وتسعى القاهرة إلى تشديد الرقابة على الحدود ومكافحة أنشطة التعدين غير القانوني والتهريب، في محاولة للحد من تداعيات الحرب السودانية المتصاعدة.
وتعكس الحملة الأمنية الأخيرة إدراكاً متزايداً بأن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الداخلية، وأصبحت تهديداً أمنياً إقليمياً مباشراً.
خطر تحول اقتصاد الذهب إلى بنية دائمة
يحذر التقرير من أن استمرار الحرب وضعف مؤسسات الدولة قد يؤديان إلى ترسيخ اقتصاد حرب قائم على التعدين غير الرسمي والتهريب، بحيث يصبح جزءاً دائماً من الاقتصاد السياسي السوداني.
وفي هذه الحالة، يصبح تفكيك هذه الشبكات بعد انتهاء الحرب أكثر صعوبة، نظراً لتجذرها داخل المجتمعات المحلية والاقتصاد الإقليمي.
الذهب كعامل رئيسي في إعادة تشكيل الصراع
يخلص تقرير “ذا سوفان سنتر” إلى أن الذهب في السودان تحول من مورد اقتصادي إلى عنصر مركزي في تمويل الحرب واستمرارها، وفي الوقت نفسه إلى عامل ضغط إقليمي يهدد أمن دول الجوار.
ويؤكد أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب مقاربة إقليمية ودولية شاملة، تتجاوز الإجراءات الأمنية إلى معالجة البنية الاقتصادية والسياسية التي سمحت بازدهار اقتصاد الحرب في السودان.










