تحليل أمريكي ينتقد مقاربة البيت الأبيض للحرب السودانية، ويعتبر أن وقف إطلاق النار بصيغته الحالية قد يكرس الانقسام الجغرافي ويحول سيطرة الدعم السريع إلى واقع سياسي دائم.
واشنطن – المنشر_الاخباري
مؤتمر برلين في ظل حرب مستمرة
في وقت يدخل فيه السودان عامه الرابع من حرب دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يرى الباحث الأمريكي كاميرون هدسون أن الجهود الدولية الحالية، وعلى رأسها مؤتمر برلين، لا تعكس تحولاً حقيقياً في مسار الأزمة بقدر ما تعكس استمرار النهج ذاته الذي فشل في تحقيق أي اختراق سياسي سابق.
ويشير هدسون إلى أن المؤتمر الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، يهدف في الأساس إلى احتواء التدهور الإنساني ومحاولة دفع مسار تسوية سياسية، لكنه لا يتضمن مشاركة الأطراف الرئيسية في الصراع، ما يحدّ من قدرته على إنتاج نتائج ملموسة على الأرض.
أزمة إنسانية تتفاقم بوتيرة متسارعة
يصف التحليل الوضع الإنساني في السودان بأنه وصل إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، في ظل استمرار القتال واتساع رقعته الجغرافية.
ويشير إلى أن مئات المدنيين قُتلوا منذ بداية العام نتيجة ضربات الطائرات المسيّرة، فيما يواجه نحو ثلثي السكان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع ارتفاع نسبة الفقر إلى ما يقارب 70% من السكان.
كما يلفت إلى انهيار واسع في الخدمات الأساسية، وتراجع قدرة المجتمعات المحلية على تنظيم عمليات الإغاثة، بعد أن كانت المبادرات الأهلية تمثل أحد أهم أشكال الدعم خلال الأشهر الأولى من الحرب، قبل أن تتعرض لضغوط كبيرة أدت إلى تفكك نسبة كبيرة منها.
مؤتمر برلين بين الطموح والقيود الواقعية
يرى هدسون أن مؤتمر برلين، رغم أهميته السياسية والدبلوماسية، لا يختلف كثيراً عن مؤتمرات سابقة في باريس ولندن لم تحقق نتائج ملموسة.
ويؤكد أن غياب الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عن طاولة التفاوض يمثل عائقاً أساسياً أمام أي تقدم، إذ إن أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو تسوية سياسية يتطلب بالضرورة موافقة الأطراف التي تملك السيطرة الفعلية على الأرض.
كما يشير إلى أن تراجع التمويل الدولي وتزايد الضغوط على ميزانيات المساعدات الإنسانية يقللان من قدرة المجتمع الدولي على دعم أي عملية انتقالية مستقبلية بشكل فعّال.
واشنطن بين إدارة الأزمة وغياب الرؤية الشاملة
يخصص التحليل مساحة كبيرة لدور الولايات المتحدة، معتبراً أنها لا تزال الفاعل الخارجي الأكثر تأثيراً في الملف السوداني، لكنها تتحرك وفق مقاربة تفتقر إلى رؤية استراتيجية متكاملة.
ويرى أن السياسة الأمريكية تركز على منع الأسوأ، مثل انهيار الدولة السودانية أو تحولها إلى مصدر تهديد إقليمي، دون تقديم تصور واضح لشكل الدولة السودانية بعد انتهاء الحرب أو آلية إعادة بنائها.
كما يشير إلى أن جزءاً من التحرك الأمريكي جاء استجابة لضغوط ومبادرات إقليمية، خصوصاً من السعودية، إلى جانب اعتبارات سياسية داخلية تتعلق بصورة واشنطن كفاعل دبلوماسي يسعى لتحقيق إنجازات في ملفات النزاع الدولي.
وقف إطلاق النار ومخاطر تثبيت الانقسام
يحذر هدسون من أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار دون تسوية سياسية شاملة قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة، أبرزها تحويل خطوط التماس العسكرية الحالية إلى حدود سياسية واقعية.
ويرى أن هذا السيناريو قد يرسخ تقسيم السودان إلى مناطق نفوذ منفصلة، بحيث يسيطر الجيش على الشمال والشرق، بينما تهيمن قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الغرب، خصوصاً إقليم دارفور.
ويؤكد أن مثل هذا الوضع قد يتحول مع الوقت إلى واقع سياسي دائم إذا لم يتم ربط وقف القتال بخريطة طريق سياسية واضحة وملزمة.
تداعيات إقليمية تتجاوز حدود السودان
يشير التحليل إلى أن أي إعادة تشكيل غير رسمية لخريطة السودان ستكون لها تداعيات خطيرة على دول الجوار.
ويحذر من أن مصر قد تواجه تحديات أمنية متزايدة على حدودها الجنوبية، فيما قد تعاني تشاد وأفريقيا الوسطى من تدفقات سلاح ومقاتلين عبر الحدود في ظل هشاشة أوضاعهما الداخلية.
كما يلفت إلى أن جنوب السودان، الذي يعاني أصلاً من عدم استقرار سياسي واقتصادي، سيكون من بين أكثر الدول تأثراً بأي سيناريو تقسيمي في السودان.
الوساطة الدولية وتعدد المسارات المتداخلة
يرى هدسون أن أحد أبرز أوجه القصور في التعامل الدولي مع الأزمة السودانية يتمثل في تعدد مسارات الوساطة دون تنسيق فعّال بينها.
فإلى جانب الجهود الأمريكية، هناك أدوار للاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” وعدد من القوى الإقليمية، إلا أن هذا التعدد، بحسب التحليل، أدى إلى تشتت الجهود وتضارب الرسائل بدلاً من توحيدها في مسار تفاوضي واحد.
ويؤكد أن هذا الواقع يضعف الضغط على أطراف الصراع ويطيل أمد الحرب بدلاً من تسريع نهايتها.
غياب المسار المدني في معادلة الحل
يشدد التحليل على أن العملية السياسية الحالية تركز بشكل شبه كامل على الأطراف العسكرية، مع تهميش واضح للقوى المدنية السودانية.
ويرى أن هذا الغياب يمثل خللاً بنيوياً في أي محاولة لصياغة مستقبل السودان، لأن أي سلام لا يستند إلى قاعدة مدنية واسعة سيكون هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.
ويؤكد أن إشراك المدنيين ليس خياراً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً لبناء عملية انتقالية ذات مصداقية واستدامة.
نفوذ كبير ورؤية محدودة
في خاتمة تحليله، يطرح هدسون مفارقة أساسية تتمثل في أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً كبيراً في الملف السوداني، لكنها في الوقت ذاته تفتقر إلى التزام طويل الأمد ورؤية استراتيجية واضحة.
ويحذر من أن استمرار هذا الاختلال بين النفوذ والرؤية قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة، مثل تثبيت واقع الانقسام أو إنتاج تسويات مؤقتة لا تعالج جذور الصراع.
ويخلص إلى أن السودان بحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز النماذج الحالية، تقوم على رؤية سياسية شاملة، ودور أكبر للمؤسسات الإقليمية، وتمكين القوى المدنية من قيادة مستقبل البلاد، بما يمنع تحول الحرب إلى واقع سياسي دائم يعيد رسم خريطة السودان والمنطقة لسنوات طويلة قادمة.











