الجالية اليهودية “بني إسرائيل” في الهند تطالب بحماية أقدم مقبرة يهودية في منطقة ماديا براديش، بعد اتهام جهات محلية بمحاولات الاستيلاء على الأرض وتخريب القبور، فيما وصلت القضية إلى المحكمة العليا الهندية
نيودلهي- المنشر_الاخباري
تخوض الجالية اليهودية في مدينة جابالبور الهندية معركة قانونية للحفاظ على مقبرتها التاريخية الوحيدة في المنطقة، بعد تعرض الموقع لمحاولات استيلاء وتخريب متكررة، وسط اتهامات لما وصفته الجالية بـ”مافيا الأراضي” بالسعي للسيطرة على أرض المقبرة ومحو معالمها التاريخية.
وتقع المقبرة اليهودية في جابالبور بولاية ماديا براديش، وتعد الموقع الوحيد المعروف لدفن اليهود في منطقتي ماديا براديش وتشاتيسغار، حيث تضم أكثر من 100 قبر يهودي يعود بعضها إلى عقود طويلة.
وتقول الجالية المحلية إن المقبرة تعرضت خلال السنوات الماضية لأعمال تخريب شملت تدمير بعض شواهد القبور، وكسر الجدران المحيطة بالموقع، وسرقة البوابة الرئيسية، في وقت تسعى فيه إلى حماية المكان باعتباره جزءًا من تاريخ اليهود في الهند.
مقبرة عمرها أكثر من قرن مهددة بالضياع
تعود ملكية أرض المقبرة إلى أوائل القرن العشرين، عندما خصصتها الإدارة البريطانية في الهند آنذاك للجالية اليهودية.
وتبلغ مساحة المقبرة نحو 5 آلاف قدم مربع، وكانت طوال عقود مكانًا للحفاظ على الطقوس الدينية اليهودية الخاصة بالدفن وتكريم الموتى.
وكانت مدينة جابالبور تضم في السابق مجتمعًا يهوديًا نشطًا، وصل عدد العائلات اليهودية فيها إلى نحو 200 عائلة، لكن معظم أفراد الجالية هاجروا إلى إسرائيل بعد استقلال الهند، خصوصًا خلال موجات الهجرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
واليوم لم يتبقَّ في المدينة سوى عدد محدود جدًا من اليهود، يقدر عددهم بين ثلاث أو أربع عائلات فقط.
بداية النزاع بعد اكتشاف أعمال التخريب
بدأ النزاع القضائي بعد أن زار أحد أفراد الجالية اليهودية المسنين، ويدعى دانيال أبراهام، المقبرة عام 2021، ليكتشف وجود أضرار لحقت بالموقع.
وبعد ذلك تقدم أبراهام بشكوى أمام محكمة المسؤول الإداري الفرعي في جابالبور، متهمًا أحد السكان المحليين، ويدعى لاخان كيفات، بمحاولة التعدي على أرض المقبرة والاستيلاء عليها.
وخلال التحقيقات الرسمية، أكدت السلطات أن سجلات الحكومة الهندية تثبت أن الأرض مخصصة كمقبرة يهودية منذ عقود، وليست ملكية خاصة كما يدعي الطرف الآخر.
وفي 14 أبريل 2025، أصدرت المحكمة الإدارية قرارًا لصالح الجالية اليهودية، يقضي بإعادة السيطرة على الأرض وحماية حقوقها، مع منع كيفات من التدخل في شؤون المقبرة أو مضايقة أفراد المجتمع اليهودي.
تصعيد القضية أمام المحكمة العليا الهندية
لم يقبل كيفات الحكم، فتقدم بطعن أمام المحكمة المحلية، إلا أن المحكمة أيدت القرار السابق وأكدت حق الجالية اليهودية في استخدام الأرض كمقبرة.
وفي يونيو 2026، صعّد كيفات النزاع بتقديم طلب أمام المحكمة العليا الهندية، مدعيًا امتلاكه وثائق قانونية تثبت ملكيته للأرض.
وقال إن الأرض كانت تحت سيطرته لفترة طويلة، وإنه يملك مستندات تؤكد حقه فيها.
في المقابل، يؤكد ممثلو الجالية اليهودية أن القضية ليست مجرد نزاع عقاري، بل محاولة للاستيلاء على موقع ديني وتاريخي يمثل جزءًا من هوية اليهود في الهند.
اتهامات بتدمير شواهد القبور لإخفاء الأدلة
قال المحامي مانيش فيرما، الذي يمثل الجانب اليهودي في القضية، إن لاخان كيفات ونجله شاشانك كيفات يحاولان السيطرة على أرض المقبرة.
وأضاف أن عمليات التخريب شملت تدمير بعض الأحجار التذكارية الموجودة على القبور، معتبرًا أن ذلك يهدف إلى إزالة العلامات التي تثبت هوية المكان وطبيعته كمقبرة يهودية.
وأوضح أن المحكمة سبق أن أصدرت أحكامًا تحمي حقوق الجالية، وتضمن استمرار استخدامها الهادئ للموقع، لكن النزاع مستمر بسبب الطعن الجديد أمام المحكمة العليا.
مطالب بتدخل إسرائيلي لحماية المقبرة
مع تصاعد الأزمة، وجه أفراد من الجالية اليهودية الهندية المقيمين في إسرائيل رسالة إلى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، والحاخامية الرئيسية، ووزارة الخارجية، والسفارتين الإسرائيلية والهندية، مطالبين بتدخل عاجل لحماية المقبرة.
وأكدت الرسالة أن تخريب شواهد القبور يمثل “انتهاكًا صارخًا للقيم الأساسية والقانون اليهودي والقانون الدولي”.
وطالبت الجالية الحكومة الإسرائيلية بعدة خطوات، من بينها:
- فتح تحقيق مشترك مع السلطات الهندية بشأن عمليات التخريب.
- دراسة إمكانية نقل رفات بعض المتوفين اليهود إلى إسرائيل لإعادة دفنهم وفق الطقوس اليهودية.
- منع نقل شواهد القبور أو العبث بها.
وقالت الرسالة إن القضية تمثل اختبارًا للقيم والهوية والالتزام بالحفاظ على الذاكرة التاريخية.
خطة لحماية المقبرة من التعديات المستقبلية
قدم مركز تراث اليهود الهنود “بني إسرائيل” خطة للحفاظ على المقبرة، تتضمن عددًا من الإجراءات لحماية الموقع.
وتشمل الخطة إصدار شهادة رسمية نهائية من بلدية جابالبور ووزارة الإيرادات تؤكد أن الأرض مقبرة يهودية مخصصة للدفن والممارسات الدينية.
كما تطالب بتركيب كاميرات مراقبة مزودة بخاصية الصوت لتغطية جميع القبور، وإعادة بناء الجدار المحيط بالمقبرة لمنع أي محاولات جديدة للتعدي.
وأكد المركز أن حماية المقبرة ليست فقط دفاعًا عن أرض، بل حفاظ على تاريخ مجتمع يهودي قديم عاش في الهند لعدة أجيال.
تاريخ اليهود في جابالبور.. مجتمع صغير بجذور عميقة
تعد جالية جابالبور اليهودية من أقدم المجتمعات اليهودية في الهند وأكثرها تميزًا.
ووصل أفرادها من منطقة كونكان في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأسسوا مجتمعًا حافظ على تقاليده الدينية والثقافية لعقود طويلة.
وشهدت المدينة حياة يهودية نشطة تضمنت إقامة الصلوات والاحتفالات الدينية والتعليم اليهودي.
ومن بين العائلات اليهودية البارزة في جابالبور عائلة يهودا أستامكار التي ينتمي إليها الكاتب والمسرحي الهندي اليهودي الشهير صوفي يهودا، إضافة إلى عائلة مردخاي بورغاونكار التي ينتمي إليها الفريق أول راسل جاكوب مردخاي، أحد أعلى الضباط اليهود رتبة في تاريخ الجيش الهندي.
ورغم تقلص عدد اليهود في المدينة، يواصل مركز تراث اليهود الهنود جهوده للحفاظ على تاريخهم ومنع اندثار آثار وجودهم الممتد في الهند.










