منع الإغاثة واستهداف القوافل وتراجع التمويل يكشف أزمة أكبر من نقص الغذاء.. نظام دولي عاجز عن حماية المدنيين أو محاسبة أطراف الحرب
بورتسودان- المنشر الإخبارى
لم تعد الأزمة الإنسانية في السودان مجرد نتيجة جانبية للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بل أصبحت جزءًا من طبيعة الصراع نفسه، بعدما تحولت المساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط تستخدمها أطراف الحرب لتعزيز النفوذ ومعاقبة الخصوم، بينما يدفع ملايين المدنيين الثمن الأكبر في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
فمع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتزايد الاتهامات للطرفين باستخدام القيود على وصول الإغاثة كأداة عسكرية وسياسية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات هائلة للوصول إلى المناطق الأكثر تضررًا، خصوصًا في إقليم دارفور.
ويقول مسؤولون أمميون وعاملون في المجال الإنساني إن المشكلة لم تعد فقط في نقص الموارد، بل في غياب آليات حقيقية لمحاسبة من يعرقلون وصول المساعدات أو يستهدفون المدنيين والمنشآت الطبية.
حرب على المساعدات قبل أن تكون حربًا على الأرض
خلال عمله نائبًا لمنسق الشؤون الإنسانية في السودان، ركز خصوصًا على دارفور خلال عامي 2024 و2025، يقول المسؤول الأممي السابق أنطوان جيرار إن الصور الأكثر رسوخًا في ذاكرته ليست فقط مشاهد النزوح والجوع وانهيار المستشفيات، بل الإحساس بأن الأزمة الأساسية هي “أزمة مساءلة”.
فالقانون الدولي الإنساني يلزم الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات، إلا أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع متهمان بعدم الوفاء بهذه الالتزامات.
ويشير جيرار إلى أن الجيش عرقل أحيانًا وصول المساعدات إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بينما فرضت الأخيرة قيودًا على عمليات الإغاثة في مناطق من دارفور تخضع لنفوذها أو تشهد تنافسًا على السيطرة.
وبذلك تحولت الدبلوماسية الإنسانية، بحسب وصفه، من محاولة لإجبار الأطراف على احترام التزاماتها القانونية إلى عملية مستمرة لـ”طلب الإذن” للوصول إلى المحتاجين.
دارفور.. مأساة تتكرر وسط تحذيرات لم تُسمع
تظل دارفور واحدة من أكثر المناطق التي تكشف حجم الانهيار الإنساني في السودان، خصوصًا مع المعارك حول الفاشر ومخيمات النازحين.
فقد شهدت مناطق مثل زمزم والفاشر موجات نزوح واسعة، مع وصول آلاف المدنيين إلى مناطق أخرى مثل طويلة وسط نقص حاد في المأوى والخدمات الصحية.
ورغم وجود منظمات محلية حاولت سد الفراغ قبل وصول الدعم الدولي، فإن الاستجابة الإنسانية بقيت أقل بكثير من حجم الأزمة، مقارنة بما حدث خلال أزمة دارفور السابقة في العقد الأول من القرن الحالي.
ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن التحذيرات بشأن الفاشر والمناطق المحاصرة كانت واضحة ومتكررة، لكن المعلومات والتقارير لم تتحول إلى إجراءات حماية فعلية للمدنيين.
ويقول جيرار إن المؤسسات الدولية كانت تمتلك البيانات اللازمة لرؤية ما يحدث، لكنها لم تستخدم نفوذها بالسرعة المطلوبة لمنع الكارثة.
لغة التقارير تخفي حجم الفشل
من أبرز الانتقادات التي وجهها المسؤول الأممي السابق للنظام الإنساني الدولي طريقة وصف العراقيل التي تواجه وصول المساعدات.
فبدل الحديث بوضوح عن منع متعمد أو استخدام التجويع كأداة حرب، غالبًا ما يتم استخدام عبارات مثل “تحديات الوصول” أو “عقبات إدارية”، وهي مصطلحات يرى أنها تخفي مسؤولية الأطراف التي تمنع الإغاثة.
كما يشير إلى أن تقييم نجاح العمليات الإنسانية غالبًا ما يعتمد على أرقام مثل عدد الشاحنات التي دخلت أو كمية المساعدات التي وصلت، بينما قد تخفي هذه المؤشرات فشلًا أكبر يتعلق بحماية المدنيين.
ويستشهد بحادثة تعرض قافلة مشتركة لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة اليونيسف لهجوم قرب منطقة الكومة في يونيو 2025، أثناء توجهها إلى الفاشر، ما أدى إلى مقتل خمسة متعاقدين سودانيين.
وبالنسبة له، لم تكن القضية مجرد توقف قافلة، بل فشلًا في توفير الحماية وضمانات المرور وتحميل المسؤولية عن الهجوم.
المجتمع المدني السوداني.. الناجي الأكثر تجاهلًا
في ظل تراجع قدرة المنظمات الدولية على العمل داخل السودان، برز دور المبادرات المحلية مثل غرف الطوارئ، والمطابخ المجتمعية، والفرق الطبية التطوعية، والمنظمات السودانية التي واصلت تقديم المساعدة في مناطق يصعب الوصول إليها.
لكن هذه المبادرات، رغم تحملها أكبر المخاطر، لا تحصل على الدعم الكافي، وغالبًا ما تعامل باعتبارها جهات تنفيذية فقط، وليس شركاء حقيقيين في صناعة القرار الإنساني.
ويرى جيرار أن إصلاح النظام الإنساني يجب أن يبدأ بمنح الجهات المحلية دورًا أكبر في التمويل والتخطيط، بدل استمرار الاعتماد على نموذج تتحكم فيه المؤسسات الدولية من الخارج.
المجتمع الدولي أمام اختبار صعب
تطرح الأزمة السودانية سؤالًا أوسع حول قدرة النظام الدولي على التعامل مع الحروب الحديثة، حيث لم تعد النزاعات مجرد مواجهات عسكرية، بل صراعات تستخدم فيها المساعدات والاقتصاد والمعلومات كسلاح.
ويرى منتقدون أن المجتمع الدولي اكتفى حتى الآن بإصدار البيانات وعقد الاجتماعات، دون وضع خطوط حمراء واضحة بشأن منع المساعدات أو استهداف المدنيين.
المطلوب، وفق الرؤية المطروحة، ليس المزيد من المؤتمرات أو التعهدات، بل وضع آليات ملزمة تربط الانتهاكات بعواقب سياسية واضحة.
ويشمل ذلك ضمان وصول المساعدات بشكل يمكن التحقق منه، تعزيز وجود الأمم المتحدة قرب المجتمعات المتضررة، دعم المنظمات السودانية المحلية، وربط التقارير الإنسانية مباشرة بقرارات سياسية.
وفي النهاية، فإن اختبار نجاح المجتمع الدولي في السودان لن يكون بعدد الاجتماعات التي عقدها أو حجم المساعدات التي أعلن عنها، بل بقدرته على منع تكرار ما حدث في الفاشر وزمزم، وإثبات أن المدنيين ليسوا مجرد أرقام في تقارير الأزمات.
فالحرب السودانية لم تعد فقط معركة على السلطة بين أطراف مسلحة، بل أصبحت اختبارًا لمفهوم العدالة الدولية نفسه: هل يستطيع العالم حماية المدنيين عندما تتحول المساعدات إلى سلاح، أم يكتفي بتوثيق الكارثة بعد وقوعها؟










