البرلمان الإيطالي يناقش مشروع قانون تاريخياً يفتح الباب أمام استعادة الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية التي صودرت من اليهود خلال الحقبة الفاشية، في خطوة وصفت بأنها محاولة متأخرة لتحقيق العدالة لضحايا الاضطهاد النازي والفاشي.
روما – المنشر_الاخباري
في خطوة وصفت بأنها «تاريخية ومتأخرة في آن واحد»، بدأ البرلمان الإيطالي مناقشة مشروع قانون جديد يهدف إلى إعادة الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية التي جرى الاستيلاء عليها من اليهود خلال فترة الحكم الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني، في محاولة لمعالجة أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ إيطاليا الحديث.
ويمنح مشروع القانون الجديد، المعروف باسم «مشروع القانون رقم 2834»، الحكومة الإيطالية صلاحية إنشاء آلية رسمية لاستعادة الأعمال الفنية والمقتنيات الثقافية التي فقدها أصحابها نتيجة الاضطهاد المعادي لليهود الذي مارسته السلطات الفاشية منذ عام 1938، عندما سن نظام موسوليني قوانين عنصرية استهدفت المواطنين اليهود وجرّدتهم تدريجياً من حقوقهم وممتلكاتهم.
ويأتي التحرك الإيطالي بعد عقود من الانتقادات التي تعرضت لها روما بسبب غياب إطار قانوني واضح يسمح بإعادة الممتلكات المنهوبة إلى أصحابها أو إلى ورثتهم، على الرغم من انضمام إيطاليا إلى مبادئ مؤتمر واشنطن لعام 1998 بشأن الممتلكات الفنية التي نهبها النازيون، وكذلك إعلان تيريزين لعام 2009، الذي دعا إلى معالجة المظالم الاقتصادية والاجتماعية التي تعرض لها ضحايا الاضطهاد النازي.
«جراح لا تزال مفتوحة»
وخلال جلسة استماع عقدتها لجنة الثقافة والعلوم والتعليم في مجلس النواب الإيطالي، أكدت رئيسة اتحاد الجاليات اليهودية الإيطالية، ليفيا أوتولينغي، دعمها الكامل للمشروع، معتبرة أن الخطوة تمثل محاولة لسد فراغ قانوني استمر لعقود.
وقالت أوتولينغي إن «الجراح التي خلفتها القوانين العنصرية ما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة اليهود الإيطاليين ومجتمعاتهم».
وأضافت أن اليهود لم يتعرضوا فقط للاضطهاد والملاحقة والقتل على أيدي النظامين النازي والفاشي، بل جُردوا أيضاً من ممتلكاتهم وأعمالهم الفنية وتراثهم الثقافي.
وأشارت إلى أن كثيراً من العائلات اليهودية أُجبرت على بيع ممتلكاتها تحت الضغط والإكراه، بينما تعرضت عائلات أخرى لمصادرات مباشرة من جانب الدولة الفاشية.
وقالت: «حتى عندما كانت الحرب قد انتهت عملياً وكانت إيطاليا مدمرة، ظل النظام الفاشي مهووساً بمصادرة ممتلكات اليهود».
فجوة قانونية عمرها عقود
وعلى الرغم من أن عدداً من الدول الأوروبية أنشأ خلال العقود الماضية هيئات خاصة للنظر في مطالبات استعادة الممتلكات المنهوبة خلال الحرب العالمية الثانية، فإن إيطاليا بقيت واحدة من الدول القليلة التي لم تعتمد حتى الآن آلية رسمية للتعويض أو إعادة الممتلكات.
وأظهر تقرير صادر عن المنظمة العالمية لاسترداد الممتلكات اليهودية عام 2024 أن إيطاليا لم تحقق سوى «تقدم محدود» خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية في ملف إعادة الممتلكات التي صادرتها السلطات الفاشية.
ويهدف مشروع القانون الجديد إلى تجاوز هذه الإشكالية عبر إنشاء لجنة مستقلة تتمتع بصلاحيات قانونية تسمح لها بدراسة المطالبات واتخاذ قرارات ملزمة بشأن إعادة الممتلكات أو تعويض أصحابها.
كما يسعى المشروع إلى إزالة العقبات البيروقراطية والقانونية التي كانت تعرقل عمليات الاسترداد في السابق.
«فرصة تاريخية لتحقيق العدالة»
من جانبه، رحب رئيس المنظمة العالمية لاسترداد الممتلكات اليهودية، جدعون تايلور، بتقدم مشروع القانون داخل البرلمان الإيطالي.
وقال إن التشريع الجديد «يمثل فرصة تاريخية لتحقيق العدالة أخيراً لضحايا الاضطهاد النازي والفاشي ولأحفادهم».
وأضاف أن العائلات اليهودية التي حاولت استعادة تراثها الثقافي في إيطاليا واجهت طوال العقود الماضية مقاومة كبيرة وإجراءات معقدة، على عكس ما حدث في دول أوروبية أخرى.
وأوضح أن المشروع لا يزال بحاجة إلى استكمال تفاصيله القانونية والتنفيذية، لكنه يمثل «خطوة حيوية وأساسية نحو إنشاء إطار واضح وعادل لاستعادة الممتلكات المنهوبة».
مواجهة إرث الفاشية
ويرى مراقبون أن الخطوة الإيطالية تتجاوز مسألة إعادة لوحات فنية أو مقتنيات ثقافية، لتشكل جزءاً من مواجهة أوسع مع إرث الحقبة الفاشية في البلاد.
فخلال السنوات الأخيرة تصاعدت الدعوات داخل إيطاليا لإعادة تقييم تعامل الدولة مع الجرائم التي ارتُكبت بحق اليهود خلال فترة موسوليني، وسط اتهامات بأن الدولة الإيطالية لم تقم بما يكفي لمعالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها تلك المرحلة.
ويأمل قادة الجاليات اليهودية أن يؤدي إقرار القانون إلى فتح الباب أمام تسوية ملفات ظلت عالقة لعقود، وإعادة جزء من العدالة التاريخية لعائلات فقدت ليس فقط أفرادها، بل أيضاً إرثها الثقافي وممتلكاتها التي شكلت جزءاً من هويتها وذاكرتها الجماعية.










