استطلاع مركز بيو يكشف تغيرًا عميقًا في نظرة الأمريكيين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع انخفاض حاد في صورة الإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة واتساع الفجوة بين مواقف الشباب والديمقراطيين من جهة والجمهوريين من جهة أخرى
واشنطن- المنشر_الاخباري
كشف استطلاع جديد أجراه مركز بيو للأبحاث عن تغيرات كبيرة في نظرة الأمريكيين تجاه إسرائيل والفلسطينيين، في مؤشر على تحول تدريجي داخل الرأي العام الأمريكي بشأن أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية حساسية في الولايات المتحدة.
وأظهر الاستطلاع، الذي شمل 12 ألفًا و574 مواطنًا أمريكيًا خلال الفترة من 4 إلى 17 مايو 2026، أن صورة الإسرائيليين بين الأمريكيين شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، بينما بقيت النظرة إلى الفلسطينيين أكثر استقرارًا، في وقت بدأت فيه استطلاعات أخرى ترصد تقدم التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين للمرة الأولى مقارنة بالإسرائيليين.
وبحسب نتائج مركز بيو، قال 52% من الأمريكيين إن لديهم نظرة إيجابية تجاه الشعب الإسرائيلي، مقابل 42% قالوا إن لديهم نظرة سلبية، بينما بلغت نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الشعب الفلسطيني 50%، مقابل 44% يحملون صورة سلبية عنه.
ورغم استمرار وجود أغلبية بسيطة تنظر بإيجابية إلى الإسرائيليين، فإن الأرقام تكشف تغيرًا كبيرًا مقارنة بعام 2022، عندما بلغت نسبة الأمريكيين الذين يحملون صورة إيجابية عن الإسرائيليين نحو 67%، قبل أن تنخفض إلى 52% في أحدث استطلاع، في حين ارتفعت نسبة أصحاب النظرة السلبية من 25% إلى 42%.
في المقابل، لم تشهد صورة الفلسطينيين تغيرًا بالحجم نفسه، إذ انخفضت النظرة الإيجابية تجاههم بشكل طفيف فقط، من 53% عام 2022 إلى 50% عام 2026، بينما ارتفعت النظرة السلبية من 39% إلى 44%.
ويعكس هذا التحول اختلافًا واضحًا بين تقييم الأمريكيين للشعوب وبين مواقفهم تجاه الحكومات والجهات السياسية، حيث أظهر الاستطلاع رفضًا واسعًا لعدد من المؤسسات المرتبطة بالصراع.
وقال 62% من المشاركين إن لديهم نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بينما بلغت نسبة من يحملون موقفًا سلبيًا تجاه السلطة الفلسطينية 69%، ووصلت نسبة الرفض لحركة حماس إلى 84%.
ويأتي نشر نتائج الاستطلاع في ظل استمرار تداعيات الحرب في غزة، التي تسببت في نقاش واسع داخل الولايات المتحدة حول السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وحجم الدعم الذي تقدمه واشنطن لحليفها التقليدي في الشرق الأوسط، إضافة إلى الانتقادات المتزايدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية والأوضاع الإنسانية في القطاع.
وخلال الأشهر الماضية، أظهرت عدة استطلاعات أمريكية أن القضية الفلسطينية أصبحت أكثر حضورًا في النقاش العام، خصوصًا بين الشباب والناخبين الديمقراطيين، الذين باتوا أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا.
انقسام سياسي حاد
ولم تكن نتائج الاستطلاع موحدة بين مختلف التيارات السياسية الأمريكية، إذ كشف بوضوح استمرار الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن إسرائيل والفلسطينيين.
وأظهر الاستطلاع أن 65% من الجمهوريين لديهم نظرة إيجابية تجاه الإسرائيليين، مقارنة بـ43% فقط من الديمقراطيين، بينما أبدى نحو ثلثي الديمقراطيين نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقابل نحو ثلث الجمهوريين.
كما ارتفعت نسبة الديمقراطيين الذين يحملون صورة سلبية تجاه الإسرائيليين بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوزت النصف في أحدث استطلاع، مقارنة بـ31% فقط عام 2022.
أما بين الجمهوريين، فارتفعت نسبة من لديهم نظرة سلبية تجاه الإسرائيليين من 17% عام 2022 إلى 31% عام 2026، ما يشير إلى أن التغير لم يقتصر على تيار سياسي واحد، رغم استمرار الفجوة الكبيرة بين الحزبين.
الشباب الأمريكي يغير المعادلة
وكان أبرز ما كشفه الاستطلاع هو التحول بين الفئات العمرية الأصغر، حيث أظهر الأمريكيون تحت سن الثلاثين مواقف مختلفة بشكل كبير عن الأجيال السابقة.
وقال 58% من الشباب الأمريكي إن لديهم نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين، مقابل 32% فقط تجاه الإسرائيليين، وهي نسبة تعكس تغيرًا واضحًا في طريقة تعامل الجيل الجديد مع الصراع.
وكان هذا الاتجاه أكثر وضوحًا بين الشباب الديمقراطيين، إذ أبدى 72% منهم موقفًا إيجابيًا تجاه الفلسطينيين، مقابل 26% تجاه الإسرائيليين.
ويرى محللون أن هذا التحول يرتبط بعدة عوامل، من بينها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير مصادر المعلومات لدى الشباب، إضافة إلى تأثير مشاهد الحرب والدمار في غزة على الرأي العام، مقارنة بالأجيال السابقة التي تشكلت مواقفها في ظل خطاب سياسي أمريكي أكثر دعمًا لإسرائيل.
تغير داخل المجتمع اليهودي الأمريكي
ولم يستثنِ التغير في المواقف المجتمع اليهودي الأمريكي، حيث أظهر الاستطلاع تراجعًا نسبيًا في النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل.
فقد انخفضت نسبة اليهود الأمريكيين الذين لديهم نظرة إيجابية تجاه الشعب الإسرائيلي من 89% عام 2024 إلى 83% عام 2026، كما تراجعت نسبة من لديهم موقف إيجابي تجاه الحكومة الإسرائيلية من 54% إلى 47%.
وفي المقابل، قال 40% من اليهود الأمريكيين إن لديهم نظرة إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني، مقابل 58% لديهم نظرة سلبية.
لكن المواقف تجاه السلطة الفلسطينية وحركة حماس بقيت أكثر تشددًا، حيث لم تتجاوز النظرة الإيجابية تجاه السلطة الفلسطينية 10%، بينما بلغت تجاه حماس 2% فقط.
وتشير نتائج استطلاع بيو إلى أن القضية الفلسطينية والإسرائيلية تشهد مرحلة جديدة داخل المجتمع الأمريكي، حيث لم يعد الموقف التقليدي الداعم لإسرائيل يحظى بالإجماع السابق، خاصة بين الشباب والديمقراطيين.
ورغم استمرار وجود تأييد قوي لإسرائيل داخل قطاعات واسعة، خصوصًا بين الجمهوريين، فإن تغير اتجاهات الرأي العام الأمريكي يطرح تحديات سياسية جديدة أمام صناع القرار في واشنطن، ويشير إلى أن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يتأثر بشكل متزايد بتحولات الأجيال الجديدة ومواقفها من الصراع في الشرق الأوسط.










