موسكو تتهم الغرب بتحويل الحرب الأوكرانية إلى مواجهة شاملة مع روسيا، وتؤكد أن إنهاء القتال ممكن فور اعتراف كييف بالوقائع الميدانية الجديدة.
موسكو – المنشر_الاخباري
في تحذير جديد يعكس حجم التوتر غير المسبوق بين موسكو والغرب، أكد الكرملين أن روسيا لا تنوي إطلاق شرارة حرب عالمية ثالثة، لكنه اتهم أوروبا بالسير في مسار خطير يشبه الأجواء التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن بلاده “لن تبدأ أبداً حرباً عالمية ثالثة”، مشدداً على أن روسيا، بوصفها قوة نووية كبرى، تدرك حجم الكارثة التي قد تترتب على أي صدام عالمي.
وأضاف بيسكوف أن التاريخ الروسي يظهر أن موسكو “لم تدخل مثل هذه الحروب إلا عندما تعرضت للهجوم”، في إشارة إلى أن روسيا ترى نفسها في موقع الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، لا في موقع الساعي إلى توسيع دائرة الصراع.
لكن النفي الروسي ترافق مع هجوم سياسي حاد على أوروبا، إذ اتهم الكرملين العواصم الغربية بتغذية أجواء المواجهة عبر زيادة الإنفاق العسكري وتصوير روسيا باعتبارها التهديد الأكبر لأمن القارة.
ورأى بيسكوف أن المجتمعات الأوروبية تتعرض لما وصفه بـ”التخويف المنظم”، مع الترويج المستمر لفكرة أن موسكو تستعد لشن هجوم على أوروبا، وهو ما اعتبره جزءاً من حملة سياسية لتبرير التسلح وتوسيع المواجهة مع روسيا.
وفي تصريحات لافتة، قارن المسؤول الروسي المناخ السياسي السائد في أوروبا اليوم بأجواء منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي مهدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
وقال إن القارة الأوروبية تشهد موجة متصاعدة من العسكرة والتعبئة السياسية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يقود إلى مزيد من عدم الاستقرار ويقوض فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
ولم يخف بيسكوف استياءه من القيادات الأوروبية الحالية، معتبراً أنها تفتقر إلى الشخصيات القادرة على بناء جسور الحوار مع موسكو، مستحضراً أسماء قادة تاريخيين مثل شارل ديغول وهيلموت كول كنماذج لزعماء كانوا قادرين على إدارة الخلافات مع روسيا دون الانزلاق إلى المواجهة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من اتساع نطاق الحرب الأوكرانية، خصوصاً مع استمرار تدفق الأسلحة الغربية إلى كييف وتصاعد الحديث عن إعادة تسليح أوروبا ورفع جاهزيتها العسكرية.
وفي ملف السلاح النووي، حاول الكرملين تبديد المخاوف المتزايدة بشأن احتمال اللجوء إلى الخيار النووي، مؤكداً أن العقيدة العسكرية الروسية لا تسمح باستخدام هذا النوع من الأسلحة إلا إذا واجهت الدولة الروسية تهديداً وجودياً مباشراً.
وقال بيسكوف إن جميع السيناريوهات الأخرى التي يجري تداولها في الغرب بشأن استخدام السلاح النووي “لا تعدو كونها تكهنات وافتراضات”.
لكن أكثر ما لفت الانتباه في تصريحات المسؤول الروسي كان إقراره بأن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد “عملية عسكرية خاصة”، وهو الوصف الذي استخدمته موسكو منذ بداية الهجوم في فبراير 2022، بل أصبحت الآن “حرباً شاملة”.
وأرجع هذا التحول إلى الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون لأوكرانيا، معتبراً أن ضخ الأسلحة الغربية والمساعدات المالية حوّل النزاع إلى مواجهة مباشرة وغير معلنة بين روسيا والغرب.
وقال بيسكوف: “لم تعد عملية محدودة، بل أصبحت حرباً واسعة النطاق”، في اعتراف يعكس حجم التغير الذي طرأ على طبيعة الصراع خلال السنوات الماضية.
ورغم النبرة التصعيدية، أكد الكرملين أن إنهاء الحرب لا يزال ممكناً، لكنه ربط ذلك بشروط روسية سبق أن رفضتها كييف وحلفاؤها الغربيون.
وأوضح أن وقف القتال يمكن أن يتم “فوراً” إذا سحبت أوكرانيا قواتها من مناطق دونباس والأقاليم التي أعلنت موسكو ضمها، واعترفت بالتغييرات الميدانية التي فرضتها الحرب.
وتعتبر أوكرانيا والدول الغربية هذه الشروط بمثابة إملاءات غير مقبولة، وتؤكد أن أي تسوية يجب أن تستند إلى احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.
وتعكس تصريحات الكرملين استمرار الهوة العميقة بين روسيا والغرب، في وقت تبدو فيه فرص التوصل إلى اتفاق سياسي بعيد المنال، رغم تزايد الدعوات الدولية لوقف الحرب التي دخلت عامها الخامس.
ويرى مراقبون أن الرسالة الروسية تحمل في طياتها تحذيراً مزدوجاً؛ فمن جهة تسعى موسكو إلى نفي اتهامات الغرب بأنها تتجه نحو مواجهة عالمية، ومن جهة أخرى تحاول تحميل أوروبا والولايات المتحدة مسؤولية استمرار الحرب وتصاعد مخاطرها.
ومع استمرار القتال على الجبهات الأوكرانية، وتنامي سباق التسلح في أوروبا، تبدو القارة أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد، بينما يحذر الكرملين من أن العالم يقترب أكثر فأكثر من أجواء تشبه تلك التي سبقت إحدى أكثر الحروب دموية في التاريخ.










