خطوة تركية محسوبة بين تعزيز الشراكة مع الناتو والحفاظ على هامش المناورة.. أنقرة تراجع مكاسب ومخاطر الانضمام إلى تحالف دفاعي جديد تقوده كندا
انقرة- المنشر_الاخباري
تجد تركيا نفسها أمام قرار استراتيجي حساس بشأن مستقبل تعاونها الدفاعي مع الغرب، بعدما كشفت مصادر أن أنقرة لم تحسم بعد موقفها النهائي من الانضمام إلى مبادرة كندية جديدة تهدف إلى تعزيز الأمن والدفاع بين الدول الحليفة.
ورغم مشاركة تركيا في المفاوضات الخاصة بتأسيس بنك الدفاع والأمن والمرونة الكندي (DSRB) وتوقيعها على الإعلان الذي أطلق المبادرة، فإن الحكومة التركية لا تزال تدرس ما إذا كانت ستشارك بشكل رسمي في المشروع، وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤولين أتراك.
ويعكس التردد التركي طبيعة السياسة التي تتبعها أنقرة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحاول الموازنة بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وبين رغبتها في الحفاظ على استقلالية قرارها الدفاعي وعلاقاتها المتعددة مع القوى الدولية.
مبادرة غربية جديدة وتركيا تراقب المكاسب
يأتي إنشاء البنك الدفاعي الكندي في وقت تشهد فيه الساحة الدولية سباقًا متزايدًا لتعزيز القدرات العسكرية، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوترات بين الغرب وروسيا والصين.
وتهدف المبادرة إلى توفير إطار للتعاون في مجالات الأمن، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز قدرة الدول المشاركة على مواجهة الأزمات، سواء العسكرية أو المتعلقة بسلاسل الإمداد والتكنولوجيا الدفاعية.
لكن بالنسبة لتركيا، فإن الانضمام إلى هذا النوع من الترتيبات لا يُنظر إليه باعتباره قرارًا تقنيًا فقط، بل يحمل أبعادًا سياسية تتعلق بمكانتها داخل التحالفات الدولية.
لماذا لم تحسم أنقرة قرارها؟
بحسب المصادر، فإن تركيا شاركت في صياغة المبادرة ووافقت على الإعلان الأولي، لكنها لم تقدم التزامًا نهائيًا بالانضمام.
ويشير هذا الموقف إلى أن أنقرة تريد معرفة تفاصيل الدور الذي ستلعبه داخل البنك، وطبيعة الالتزامات المطلوبة منها، وما إذا كان المشروع سيمنحها فوائد حقيقية في مجال التكنولوجيا والتعاون العسكري.
كما تسعى تركيا إلى تجنب أي خطوة قد تقيد حركتها في السياسة الدفاعية، خاصة أنها خلال السنوات الماضية بنت علاقات عسكرية مع أطراف خارج المنظومة الغربية، وعلى رأسها روسيا، رغم عضويتها في الناتو.
أزمة الثقة بين تركيا والغرب تلقي بظلالها
قرار تركيا لا يمكن فصله عن سنوات من التوتر مع بعض حلفائها الغربيين، إذ شهدت العلاقات مع الولايات المتحدة وكندا وأوروبا خلافات واسعة حول عدد من الملفات الدفاعية.
وكان أبرز هذه الخلافات صفقة شراء أنقرة منظومة الدفاع الروسية “إس-400″، والتي أدت إلى أزمة كبيرة مع واشنطن واستبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “إف-35”.
ورغم تحسن نسبي في العلاقات خلال الفترة الأخيرة، فإن ملف التعاون الدفاعي لا يزال حساسًا، حيث تريد تركيا ضمان أن أي شراكة جديدة ستدعم قدراتها العسكرية وليس فقط تفرض عليها التزامات سياسية.
هل تعود تركيا بقوة إلى المعسكر الغربي؟
يرى مراقبون أن قرار أنقرة بشأن البنك الكندي قد يكون مؤشرًا على اتجاه أوسع في سياستها الخارجية.
فإذا اختارت تركيا الانضمام، فقد يمثل ذلك إشارة إلى رغبتها في تعزيز التعاون الدفاعي مع الغرب وإعادة بناء الثقة مع شركائها في الناتو.
أما استمرار التأجيل، فقد يعكس رغبة أنقرة في الحفاظ على سياسة التوازن بين واشنطن وموسكو، وهي السياسة التي اتبعتها خلال السنوات الماضية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والعسكرية.
تركيا تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها لاعبًا مهمًا في الحسابات الأمنية الغربية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد العودة إلى سياسة الاعتماد الكامل على حلفائها التقليديين.
قرار صغير برسائل كبيرة
رغم أن الانضمام إلى بنك دفاعي جديد قد يبدو خطوة إجرائية، فإن القرار يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود المبادرة نفسها.
فتركيا اليوم أمام معادلة صعبة: تعزيز علاقاتها مع الغرب دون خسارة استقلالية قرارها، والحفاظ على دورها كقوة إقليمية قادرة على التحرك بين مختلف مراكز النفوذ.
وبينما تواصل أنقرة مراجعة موقفها، تراقب العواصم الغربية القرار التركي باعتباره اختبارًا جديدًا لطبيعة العلاقة المستقبلية بين تركيا وحلفائها.
الاختيار النهائي قد يكشف ما إذا كانت تركيا تتجه نحو مرحلة جديدة من الاندماج الدفاعي مع الغرب، أم ستواصل سياسة التوازن التي جعلتها لاعبًا يصعب توقع خطواته في النظام الدولي المتغير.










