اعتقال قيادي بارز في التنظيم وتفكيك خلايا نفذت اغتيالات ومولت عملياتها عبر سرقة تجار الذهب، في ضربة أمنية قد تعيد رسم خريطة التهديد الجهادي في البلاد.
دمشق – المنشر_الاخباري
في عملية وصفت بأنها واحدة من أكبر الضربات الأمنية الموجهة لتنظيم داعش خلال السنوات الأخيرة، أعلنت السلطات السورية اعتقال قيادي بارز في التنظيم كان يشغل منصب “والي لبنان وفلسطين”، إلى جانب تفكيك شبكة من الخلايا المسلحة المتورطة في الاغتيالات والسرقات والتمويل غير المشروع.
وقالت وزارة الداخلية السورية إن العملية، التي نُفذت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، أسفرت عن إلقاء القبض على فراس الداغر، أحد أبرز القيادات المتبقية في تنظيم داعش، بالإضافة إلى عدد من العناصر المرتبطة به في جنوب البلاد.
وكشفت التحقيقات أن الداغر لم يكن مجرد عنصر عادي داخل التنظيم، بل تولى مسؤوليات حساسة شملت إدارة ما يعرف بقطاع “الجيدور” والمنطقة الغربية في محافظة درعا، قبل أن يتم تعيينه لاحقًا “واليًا” للتنظيم على لبنان وفلسطين، فضلاً عن عمله مساعدًا شخصيًا لزعيم التنظيم.
ويشير هذا السجل إلى أن الرجل كان جزءًا من الحلقة القيادية المقربة في داعش، ما يجعل اعتقاله تطورًا أمنيًا لافتًا قد يكشف الكثير من أسرار التنظيم وشبكاته الإقليمية.
شبكة تمويل بالدم والذهب
الأخطر في الرواية السورية لا يتعلق فقط باعتقال قيادي كبير، بل بالكشف عن الآلية التي اعتمدتها الخلايا الداعشية في تمويل عملياتها.
وبحسب وزارة الداخلية، فإن التنظيم لجأ خلال الفترة الماضية إلى تنفيذ عمليات اغتيال وسرقات مسلحة استهدفت تجار الذهب في محافظة درعا، بهدف توفير الأموال اللازمة لإعادة بناء قدراته التشغيلية.
كما اعترف عدد من الموقوفين، وفق السلطات، بتورطهم في اغتيال عنصرين تابعين لوزارة الداخلية السورية، فضلاً عن تنفيذ عمليات أخرى تهدف إلى زعزعة الاستقرار الأمني في الجنوب السوري.
ويعكس هذا النمط من العمليات تحولًا في استراتيجية داعش، إذ بات التنظيم يعتمد بصورة متزايدة على الجريمة المنظمة والاقتصاد غير المشروع لتمويل نشاطه بعد فقدان مصادر دخله التقليدية التي كان يحصل عليها خلال سنوات سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية.
تفجيرات دمشق تعيد شبح التنظيم
وتأتي هذه العملية بعد أيام من تفجيرات هزت العاصمة دمشق تزامنًا مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، وهي الهجمات التي قالت السلطات إن الخلية المفككة تقف وراءها.
ويعزز هذا الربط المخاوف من أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات نوعية تستهدف مواقع حساسة أو توقيتات سياسية ودبلوماسية مهمة، في محاولة لإثبات أنه لم يُهزم بالكامل.
داعش.. هزيمة عسكرية لا تعني النهاية
ورغم خسارة التنظيم آخر معاقله في سوريا عام 2019 على يد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، فإن تقارير أمنية عديدة حذرت خلال السنوات الماضية من استمرار وجود خلايا نائمة قادرة على إعادة تنظيم نفسها.
وتتمركز هذه الخلايا بشكل أساسي في المناطق الصحراوية الممتدة بين سوريا والعراق، حيث تستفيد من الطبيعة الجغرافية المعقدة وضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق.
كما ساهمت الفوضى الأمنية التي رافقت سنوات الحرب، إلى جانب فرار عدد من عائلات وعناصر التنظيم من المخيمات خلال الأعوام الأخيرة، في تعزيز المخاوف من عودة داعش تدريجيًا إلى المشهد.
اختبار أمني لدمشق
ويرى مراقبون أن العملية الأمنية الأخيرة تمثل اختبارًا مهمًا لقدرة السلطات السورية على مواجهة التهديد الجهادي في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى استعادة علاقاتها الإقليمية والدولية.
وتأتي العملية في وقت تشهد فيه سوريا انفتاحًا دبلوماسيًا متزايدًا، بعد لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو، وزيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، فضلاً عن الترحيب العربي والدولي بقرار واشنطن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
لكن نجاح دمشق في استعادة موقعها الإقليمي قد يبقى مرتبطًا إلى حد كبير بقدرتها على منع عودة تنظيم داعش ومنع تحول الجنوب السوري مجددًا إلى ساحة لنشاط الجماعات المتطرفة.
وبينما تبدو عملية اعتقال فراس الداغر ضربة موجعة للتنظيم، فإن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحت سوريا في قطع رأس شبكة داعش بالفعل، أم أن التنظيم لا يزال يمتلك ما يكفي من الخلايا والقدرات للعودة من جديد؟










