من أزمة المناخ إلى صراع السياسة.. هل تتحول التكنولوجيا الإسرائيلية إلى جسر جديد بين تل أبيب وبروكسل؟
تل أبيب- المنشر_الاخباري
في الوقت الذي تضرب فيه موجات الحر غير المسبوقة القارة الأوروبية، وتدفع الحكومات إلى التحذير من مخاطر تهدد الصحة والطاقة والبنية التحتية، تبرز إسرائيل كطرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره شريكًا محتملًا لأوروبا في مواجهة واقع مناخي جديد.
فبعد عقود من التعامل مع الجفاف وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، تقول إسرائيل إن تجربتها في إدارة الموارد الطبيعية والتكيف مع الظروف القاسية يمكن أن تقدم حلولًا لدول أوروبية باتت تواجه تحديات كانت تُعد في السابق بعيدة عن واقعها.
لكن خلف الخطاب العلمي، يبرز بُعد سياسي حساس، إذ تأتي هذه الدعوات في وقت تشهد فيه العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي توترًا متزايدًا بسبب الحرب في غزة، وسط مطالب داخل بعض الدول الأوروبية بإعادة النظر في التعاون مع تل أبيب، بما في ذلك مشاركتها في برامج بحثية أوروبية.
القبة الحرارية تضرب أوروبا.. والمناخ يتحول إلى أزمة أمنية
شهدت أوروبا خلال الفترة الأخيرة موجات حر شديدة دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ما تسبب في ضغوط كبيرة على شبكات الكهرباء، واضطرابات في حركة النقل، وتحذيرات صحية واسعة.
ويرى خبراء المناخ أن الظواهر التي كانت تُعتبر استثنائية أصبحت أكثر تكرارًا، مع توقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة فترات الجفاف والحرائق في السنوات المقبلة.
ولم تعد أزمة المناخ بالنسبة للحكومات الأوروبية مجرد ملف بيئي، بل أصبحت قضية مرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والصحة العامة واستقرار المدن.
فبينما ركزت أوروبا لسنوات على خفض الانبعاثات الكربونية ضمن خطط التحول الأخضر، تواجه الآن تحديًا إضافيًا يتمثل في كيفية التكيف مع عالم أكثر حرارة.
وهنا تحاول إسرائيل تقديم تجربتها باعتبارها نموذجًا لدولة عاشت منذ تأسيسها في بيئة قاسية تتطلب حلولًا مبتكرة للبقاء.
المياه.. الورقة الأقوى في خطاب إسرائيل لأوروبا
تعد أزمة المياه المحور الأبرز في الحديث عن التعاون الإسرائيلي الأوروبي في مجال المناخ.
وتشير إسرائيل إلى اعتمادها بشكل واسع على تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي وتطوير تقنيات الري الحديثة، باعتبارها أدوات ساعدتها على التعامل مع نقص الموارد المائية.
ووفق الطرح الإسرائيلي، فإن نحو 80% من مياه الشرب في البلاد تأتي من محطات تحلية مياه البحر، إلى جانب واحدة من أعلى نسب إعادة تدوير المياه المستخدمة في الزراعة.
كما طورت شركات ومراكز بحثية إسرائيلية تقنيات للزراعة الدقيقة، وأنظمة مراقبة المناخ، ومحاصيل مقاومة للجفاف، وحلولًا لتقليل استهلاك المياه.
ويرى مؤيدو تعزيز التعاون بين الطرفين أن هذه الخبرات قد تكون ذات قيمة لدول أوروبية تواجه تراجعًا في مخزون المياه وارتفاعًا في مخاطر الجفاف.
أوروبا تملك التكنولوجيا.. وإسرائيل تملك خبرة التكيف
رغم محاولة إسرائيل تقديم نفسها كصاحبة خبرة استثنائية في التعامل مع المناخ القاسي، فإن أوروبا بدورها تمتلك قدرات علمية وصناعية ضخمة في مجالات الطاقة المتجددة والهندسة البيئية والتخطيط الحضري.
ويؤكد مؤيدو التعاون أن العلاقة المحتملة لا تقوم على أن طرفًا يعلم الآخر، بل على تبادل الخبرات.
فأوروبا قطعت خطوات واسعة في تقليل الانبعاثات ووضع تشريعات بيئية متقدمة، بينما راكمت إسرائيل خبرة عملية في التعامل مع الجفاف والحرارة وشح المياه.
ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن التعاون العلمي قد يصبح أحد المسارات القليلة التي تسمح باستمرار العلاقات بين الجانبين بعيدًا عن الخلافات السياسية.
“هورايزن أوروبا”.. معركة النفوذ خلف أبواب البحث العلمي
يأتي الحديث عن التعاون المناخي في وقت تواجه فيه مشاركة إسرائيل في برنامج الاتحاد الأوروبي للبحث والابتكار “هورايزن أوروبا” ضغوطًا سياسية.
ففي ظل الحرب على غزة، تصاعدت دعوات أوروبية لتقييد بعض أشكال التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، بينما يرى معارضو هذه الخطوة أن استبعاد الباحثين الإسرائيليين قد يضر بالمصالح العلمية الأوروبية نفسها.
ويقول المدافعون عن استمرار التعاون إن الأبحاث العلمية يجب ألا تكون رهينة للخلافات السياسية، خصوصًا في ملفات عالمية مثل تغير المناخ والأمن المائي والطاقة.
في المقابل، يرى منتقدون أن التعاون العلمي لا يمكن فصله بالكامل عن السياسات العامة للدول، وأن الشراكات الدولية يجب أن تأخذ في الاعتبار القضايا السياسية والحقوقية.
من صحراء النقب إلى شوارع أوروبا.. سباق البحث عن حلول
لطالما ارتبطت رؤية إسرائيل العلمية بفكرة تحويل المناطق القاحلة إلى بيئات قابلة للحياة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون يرى أن تطوير صحراء النقب يمثل اختبارًا لقدرة الدولة على استخدام العلم والتكنولوجيا لتجاوز القيود الطبيعية.
واليوم، مع مواجهة أوروبا لحرائق الغابات ونقص المياه وارتفاع درجات الحرارة، تحاول إسرائيل إعادة تقديم هذه الرؤية باعتبارها خبرة يمكن نقلها إلى مناطق أخرى.
لكن خبراء البيئة يشيرون إلى أن التجارب المناخية لا يمكن نقلها بشكل كامل بين الدول، لأن لكل منطقة ظروفها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة.
المناخ يفتح بابًا جديدًا للعلاقة بين إسرائيل وأوروبا
لطالما كانت العلاقة بين بروكسل وتل أبيب محكومة بالملفات السياسية، خاصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقضايا الشرق الأوسط.
لكن تغير المناخ يخلق مساحة مختلفة للتعاون تقوم على المصالح المشتركة والحاجة العملية.
ويرى مؤيدو هذا المسار أن مواجهة ارتفاع درجات الحرارة وأزمات المياه قد تصبح مجالًا تتراجع فيه الخلافات السياسية لصالح البحث عن حلول تقنية.
في المقابل، يبقى مستقبل هذا التعاون مرتبطًا بالتطورات السياسية، خصوصًا مع استمرار الجدل الأوروبي حول العلاقة مع إسرائيل.
وفي عالم ترتفع فيه درجات الحرارة عامًا بعد عام، قد تصبح المعرفة العلمية واحدة من أهم أدوات النفوذ الدولي، حيث تتنافس الدول ليس فقط على القوة العسكرية والاقتصادية، بل أيضًا على امتلاك حلول الأزمات القادمة.










