اعتراف رسمي من طهران بتوسيع قدرات إنتاج المسيّرات خلال الحرب.. وانقسامات داخل النظام الإيراني بين جناح يدفع نحو التصعيد وآخر يخشى مواجهة شاملة مع واشنطن
طهران- المنشر_الاخباري
إيران تبني جدارًا من المسيّرات.. رسالة قوة أم استعداد لجولة جديدة من المواجهة؟
في الوقت الذي تتزايد فيه التوترات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، كشفت تصريحات مسؤول عسكري إيراني عن تحول كبير في استراتيجية طهران الدفاعية، بعدما أعلن أن بلاده تمكنت خلال فترة الحرب الأخيرة من مضاعفة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة ثلاث مرات، في خطوة تعكس اعتمادًا متزايدًا على سلاح منخفض التكلفة عالي التأثير.
وجاء الإعلان في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من التوتر المتصاعد، مع استمرار المواجهات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، وعودة الهجمات على المصالح الأميركية في الخليج، وسط مخاوف من أن تتحول القدرات المتنامية للطائرات المسيّرة الإيرانية إلى عامل جديد يغير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
وقال القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني العميد مجيد ابن الرضا إن الحرب الأخيرة أثبتت أهمية الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية، مؤكدًا أن الصناعات الدفاعية الإيرانية لم تتوقف خلال المواجهات، بل تمكنت من رفع طاقتها الإنتاجية للمسيّرات إلى ثلاثة أضعاف.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة أصبحت إحدى أهم أدوات إيران لاختبار نقاط ضعف خصومها، مشيرًا إلى أن هذه التكنولوجيا سمحت لطهران بتنفيذ عمليات استطلاع وهجمات دقيقة مقارنة بتكلفتها المحدودة.
المسيّرات.. السلاح الذي غيّر حسابات الحرب
لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أداة مساعدة في الجيوش الحديثة، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الصراعات الإقليمية، بعدما أثبتت قدرتها على استنزاف أنظمة الدفاع الجوي وإجبار الخصوم على إنفاق مليارات الدولارات لمواجهتها.
وخلال السنوات الأخيرة، ركزت إيران بشكل كبير على تطوير هذا النوع من الأسلحة، مستفيدة من انخفاض تكلفتها مقارنة بالطائرات المقاتلة التقليدية، وقدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى دون تعريض الطيارين للخطر.
وتشير التصريحات الإيرانية إلى أن طهران ترى في المسيّرات وسيلة لتعويض الفجوة الكبيرة في القوة الجوية التقليدية مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصًا مع استمرار العقوبات التي تحد من حصولها على مقاتلات حديثة وأنظمة متطورة.
وخلال المواجهات الأخيرة، استخدمت إيران طائرات مسيرة منخفضة الارتفاع لاستهداف أنظمة رادار ومنشآت دفاعية، في محاولة لإرباك منظومات الإنذار المبكر وتقليل قدرة الخصوم على اعتراض الصواريخ.
استهداف الدفاعات.. معركة ما قبل الصواريخ
تكمن أهمية المسيّرات الإيرانية، وفق مراقبين، في أنها لا تستخدم فقط كسلاح هجومي مباشر، بل كأداة لفتح الطريق أمام أسلحة أخرى مثل الصواريخ الباليستية.
فالطائرات المسيّرة الصغيرة يمكنها التحليق على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية، كما يمكن استخدامها لاختبار مواقع الدفاعات الجوية وكشف نقاط الضعف فيها.
وخلال الصراعات الأخيرة، ركزت إيران على ضرب الرادارات والمنشآت المرتبطة بالدفاعات الجوية، باعتبار أن تعطيل هذه الأنظمة يمنح الصواريخ فرصة أكبر للوصول إلى أهدافها.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا التكامل بين المسيّرات والصواريخ أصبح جزءًا أساسيًا من العقيدة العسكرية الإيرانية، التي تعتمد على إغراق الخصم بعدد كبير من الأهداف بدل الاعتماد على ضربة واحدة حاسمة.
طهران تعيد بناء قدراتها بعد الحرب
تأتي تصريحات المسؤول الإيراني في وقت تتحدث فيه تقارير استخباراتية غربية عن أن إيران بدأت بالفعل في إعادة بناء جزء كبير من ترسانتها العسكرية بعد الخسائر التي تعرضت لها خلال المواجهات الأخيرة.
وبحسب تقديرات أميركية، تمكنت طهران من استعادة نسبة مهمة من قدراتها الصاروخية، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن برنامج المسيّرات الإيراني ظل يعمل بوتيرة مرتفعة رغم الضغوط العسكرية والسياسية.
ويعتقد مراقبون أن إيران تنظر إلى تطوير المسيّرات باعتباره مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا يرتبط فقط بمواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل بمحاولة تعزيز نفوذها الإقليمي عبر امتلاك أدوات ضغط يمكن استخدامها في مناطق متعددة.
صراع داخل النظام الإيراني.. تصعيد أم تفاوض؟
لكن التطورات العسكرية الأخيرة لا تخلو من صراع داخلي داخل المؤسسة الإيرانية نفسها، إذ تشير تقارير إلى وجود خلافات بين تيار يدفع نحو استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة، وتيار آخر يرى أن التفاوض قد يكون الخيار الأفضل لتجنب حرب واسعة.
ويرى محللون أن بعض المسؤولين الإيرانيين المتشددين يعتبرون أي اتفاق مع واشنطن تنازلًا غير مقبول، بينما يخشى جناح آخر من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى استنزاف أكبر للبلاد.
وقال باحثون متخصصون في الشأن الإيراني إن الخلافات داخل النظام لا تعني بالضرورة وجود انقسام كامل، لكنها تعكس اختلافًا في تقييم المرحلة المقبلة، بين من يفضل استخدام القوة العسكرية كأداة ردع، ومن يريد استثمار المسار الدبلوماسي.
الخليج في قلب المواجهة الجديدة
ويأتي تصاعد القدرات الإيرانية في وقت حساس بالنسبة لدول الخليج، التي تجد نفسها في قلب التنافس بين طهران وواشنطن.
فأي تصعيد عسكري في المنطقة قد يؤثر مباشرة على أمن الملاحة والطاقة، خصوصًا مع أهمية مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
وتخشى دول المنطقة من أن تتحول المسيّرات الإيرانية إلى وسيلة لشن هجمات على منشآت حيوية أو سفن تجارية، كما حدث في أزمات سابقة شهدت استهداف ناقلات ومنشآت نفطية.
سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط
يرى خبراء أن إعلان إيران زيادة إنتاج المسيّرات ثلاث مرات قد يدفع خصومها إلى تعزيز استثماراتهم في أنظمة الدفاع المضادة للطائرات المسيّرة، ما يفتح فصلًا جديدًا من سباق التسلح في المنطقة.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تطوران باستمرار تقنيات لاعتراض المسيّرات، لكن الانتشار الواسع لهذا السلاح يجعل المهمة أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يتم استخدام أعداد كبيرة في وقت واحد.
وبينما تسعى إيران إلى تحويل المسيّرات إلى عنصر ردع رئيسي، تحاول واشنطن وحلفاؤها منع تحول هذا السلاح إلى أداة تغير ميزان القوى الإقليمي.
في النهاية، فإن إعلان طهران مضاعفة إنتاج المسيّرات ثلاث مرات لا يمثل مجرد رقم عسكري، بل يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو حروب المستقبل، حيث لم تعد السيطرة الجوية تعتمد فقط على الطائرات المقاتلة المتطورة، بل على القدرة على إنتاج أعداد ضخمة من أسلحة ذكية منخفضة التكلفة قادرة على إنهاك أقوى الجيوش.










