بورتسودان- المنشر_الاخباري
في تطور قضائي غير مسبوق منذ اندلاع الحرب السودانية، أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة حكماً غيابياً بالإعدام شنقاً حتى الموت بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وعدد من أبرز قيادات القوة، في خطوة تعكس تصعيداً جديداً في المواجهة بين السلطات السودانية والدعم السريع، ليس فقط على المستوى العسكري، بل عبر المسار القضائي والقانوني أيضاً.
وشمل الحكم 15 من كبار منتسبي الدعم السريع، من بينهم عبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، حيث أدانتهم المحكمة في قضايا مرتبطة باتهامات خطيرة تتعلق بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب، وعلى رأسها قضية مقتل والي غرب دارفور السابق خميس أبكر، إضافة إلى اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أحكام بالإعدام وملاحقة دولية لقيادات الدعم السريع
وقالت المحكمة إن المتهمين ثبت تورطهم في سلسلة من الجرائم التي وصفت بأنها تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، مشيرة إلى أن ملف القضية تضمن أدلة مرتبطة بأحداث دامية شهدتها مناطق عدة، خصوصاً في إقليم دارفور الذي كان مسرحاً لعمليات عنف واسعة منذ بداية الحرب.
وجاء الحكم غيابياً نظراً لوجود قادة الدعم السريع خارج قبضة السلطات القضائية، في ظل استمرار سيطرة القوات على مناطق واسعة من البلاد، وهو ما دفع المحكمة إلى توجيه السلطات المختصة لاتخاذ إجراءات دولية لملاحقة المتهمين.
وفي هذا السياق، أمرت المحكمة بمخاطبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” لإصدار نشرات حمراء بحق حميدتي وبقية المدانين، بهدف تعقبهم والقبض عليهم في أي دولة يوجدون بها، تمهيداً لتسليمهم إلى السلطات السودانية لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.
مصادرة أموال الدعم السريع وشبكته الاقتصادية
ولم يقتصر القرار القضائي على العقوبات الجنائية، إذ أصدرت المحكمة قراراً بمصادرة كافة الأموال والممتلكات التابعة لقوات الدعم السريع والشركات المرتبطة بها، وتحويلها لصالح حكومة السودان.
وتعد هذه الخطوة استهدافاً مباشراً للشبكة الاقتصادية التي بنتها قوات الدعم السريع خلال السنوات الماضية، والتي تشمل شركات وأنشطة تجارية مرتبطة بقطاعات مختلفة، من بينها التعدين والتجارة والخدمات.
وترى السلطات السودانية أن تجفيف الموارد المالية للدعم السريع يمثل عاملاً حاسماً في إضعاف قدرته على تمويل العمليات العسكرية، فيما يعتقد مراقبون أن تنفيذ قرار المصادرة قد يواجه تحديات كبيرة بسبب تعقيدات الحرب وانتشار قوات الدعم السريع في مناطق متعددة.
قضية خميس أبكر في قلب الاتهامات
برز اسم والي غرب دارفور السابق خميس أبكر باعتباره أحد المحاور الرئيسية في القضية التي استندت إليها المحكمة في إصدار أحكامها.
وكان أبكر قد قُتل في يونيو 2023 بعد توقيفه عقب تصريحات انتقد فيها الأوضاع الأمنية في الولاية، قبل أن تنتشر مقاطع مصورة للحادثة أثارت موجة غضب واسعة داخل السودان وخارجه.
واعتبرت جهات حقوقية ودولية أن مقتل أبكر يمثل أحد أبرز الأمثلة على حجم الانتهاكات التي رافقت الحرب، وطالبت بضرورة إجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وبحسب المحكمة، فإن التسجيلات المصورة والمواد التي تم جمعها ضمن ملف القضية شكلت جزءاً من الأدلة التي استندت إليها في إدانة قيادات الدعم السريع.
تصعيد قانوني في ظل حرب مستمرة
ويأتي الحكم في وقت يواصل فيه السودان حرباً دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وهي الحرب التي تسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع سقوط آلاف القتلى ونزوح ملايين الأشخاص من مناطق القتال.
ومنذ بداية الصراع، تبادل الجيش والدعم السريع الاتهامات بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين، بينما فتحت جهات دولية تحقيقات بشأن مزاعم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويرى محللون أن الحكم يمثل محاولة من الحكومة السودانية لنقل الصراع إلى ساحة قانونية دولية، عبر ملاحقة قادة الدعم السريع وتجفيف مصادر تمويلهم، لكنه يظل مرتبطاً بقدرة السلطات على فرض سيطرتها وتنفيذ القرارات في ظل استمرار المعارك.
معركة جديدة خارج ساحات القتال
ويفتح الحكم الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع بين الطرفين، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى ساحات القضاء والعقوبات الدولية.
وبينما يعتبر مؤيدو الحكومة السودانية أن الأحكام تمثل خطوة نحو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، يرى آخرون أن إنهاء الحرب يتطلب إلى جانب المسار القضائي حلاً سياسياً يوقف القتال ويحمي المدنيين.
وفي انتظار تطورات الملف، يبقى تنفيذ هذه الأحكام التحدي الأكبر، خاصة مع وجود قيادات الدعم السريع خارج نطاق سيطرة السلطات، واستمرار الحرب التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في السودان.











