من الأمن إلى الطاقة والتجارة.. موسكو تسعى لترسيخ شراكة طويلة الأمد مع أفريقيا قبل القمة الروسية الأفريقية المرتقبة
موسكو- المنشر_الاخباري
في وقت تتحول فيه أفريقيا إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي العالمي، تحركت موسكو لتعزيز حضورها داخل القارة عبر مباحثات رفيعة المستوى بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، ركزت على إعادة صياغة مستقبل العلاقات بين روسيا والمنظمة القارية.
اللقاء، الذي جاء خلال زيارة عمل أجراها لافروف إلى مقر الاتحاد الأفريقي، حمل رسالة واضحة مفادها أن روسيا تريد الانتقال بعلاقاتها مع أفريقيا من التعاون السياسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية تشمل الاقتصاد والأمن والطاقة والتنمية.
وبحسب تقارير، ناقش الطرفان الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأفريقية، إضافة إلى فرص توسيع التعاون بين موسكو والاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء، مع التركيز على القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتسعى روسيا خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع المؤسسات الأفريقية، وليس فقط بناء روابط ثنائية مع الحكومات، وهو ما دفع وزارة الخارجية الروسية إلى إنشاء إدارة خاصة معنية بالشراكة مع أفريقيا بهدف تنظيم ومتابعة ملفات التعاون مع القارة.
وخلال المباحثات، طرحت موسكو توسيع التعاون في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والصناعة والتعدين والبنية التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب مجالات التعليم والصحة والثقافة، في محاولة لتعزيز صورتها كشريك تنموي وليس فقط كقوة أمنية.
وأكد الجانب الروسي دعمه لأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، التي تمثل رؤية القارة لتحقيق التنمية الاقتصادية والتحول الصناعي، كما أبدى اهتماماً بدعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية باعتبارها مشروعاً اقتصادياً محورياً يمكن أن يعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية.
ويأتي التركيز الروسي على ملف البنية التحتية والطاقة في ظل حاجة العديد من الدول الأفريقية إلى استثمارات ضخمة لتطوير شبكات الكهرباء والنقل والاتصالات، وهي مجالات ترى موسكو أنها تمثل فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي.
لكن الملف الأمني ظل حاضراً بقوة خلال المباحثات، خاصة مع استمرار الأزمات المسلحة في مناطق عدة، بينها منطقة الساحل والقرن الأفريقي والسودان وجنوب السودان وليبيا.
وأكدت روسيا دعمها لمبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، داعية إلى تعزيز دور المؤسسات القارية في إدارة الأزمات الأمنية، مع توفير دعم دولي عند الحاجة، بما في ذلك عبر مجلس الأمن الدولي.
وتحاول موسكو في السنوات الأخيرة تعزيز موقعها في أفريقيا عبر شراكات أمنية مع عدد من الدول، خصوصاً في منطقة الساحل، حيث تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في بعض الدول، وظهرت توجهات جديدة نحو بناء علاقات مع روسيا.
وفي البعد السياسي، أعادت موسكو التأكيد على دعمها لما تصفه ببناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، معتبرة أن أفريقيا يجب أن يكون لها دور أكبر في المؤسسات الدولية وصياغة القرارات العالمية.
ويشكل هذا الخطاب جزءاً من استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى كسب دعم الدول الأفريقية في المحافل الدولية، خصوصاً في ظل المنافسة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين على النفوذ في القارة.
من جانبها، تحاول الدول الأفريقية الاستفادة من تنوع الشركاء الدوليين للحصول على استثمارات وتمويلات ومشاريع تنموية، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي وعدم الارتهان لأي قوة خارجية.
واتفق الجانبان على مواصلة العمل ضمن خطط التعاون الحالية بين روسيا والاتحاد الأفريقي، إلى جانب التحضير لخطة جديدة للفترة بين 2027 و2029، تتضمن تحديد مجالات التعاون المستقبلية.
كما يستعد الجانبان للقمة الروسية الأفريقية الثالثة المقرر عقدها في موسكو خلال أكتوبر 2026، والتي من المتوقع أن تكون محطة رئيسية لتوسيع الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية بين الطرفين.
ويرى مراقبون أن تحركات موسكو في أفريقيا تأتي ضمن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العلاقات الدولية، حيث أصبحت القارة مركزاً مهماً في ملفات الطاقة والغذاء والمعادن الاستراتيجية والأمن، ما يجعلها هدفاً رئيسياً للقوى الكبرى التي تسعى إلى تعزيز نفوذها العالمي.
وفي ظل هذا التنافس، يبقى التحدي الأكبر أمام الدول الأفريقية هو تحويل الاهتمام الدولي المتزايد إلى مشاريع حقيقية تحقق التنمية والاستقرار، بدلاً من أن تصبح القارة مجرد ساحة جديدة لصراع النفوذ بين القوى العالمية.










