أثار البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية السودانية، والذي رفض إدراج منطقة أبيي ضمن العملية الانتخابية في جنوب السودان، تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن لأي دولة أن تدّعي حقها في أرض، بينما تتجاهل إرادة وهوية وكرامة السكان الذين ارتبط تاريخهم ومستقبلهم بتلك الأرض؟
فأبيي ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل هي وطن يحمل إرثًا تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا متجذرًا عبر أجيال. وترتبط قبيلة دينكا نقوك، التي تشكل المكوّن الرئيس لسكان المنطقة، بروابط تاريخية وثقافية واجتماعية عميقة مع جنوب السودان، وهي روابط لا يمكن محوها أو إنكارها عبر المواقف أو البيانات السياسية.
وعلى مدى عقود، ظل سكان أبيي يدفعون ثمن الخلافات السياسية التي لم تجد طريقها إلى الحل. ففي الوقت الذي ينشغل فيه القادة بالنقاش حول الحدود والاتفاقيات، يعيش المواطنون العاديون واقعًا من النزوح وانعدام الأمن والغموض بشأن مستقبلهم.
وفي أكتوبر 2013، نظّم سكان أبيي استفتاءً مجتمعيًا، صوّتت فيه أغلبية ساحقة، قُدّرت بنحو 99.9%، لصالح الانضمام إلى جنوب السودان. ورغم أن الحكومة السودانية رفضت نتائج ذلك الاستفتاء ولم تعترف به، فإن الرسالة التي بعث بها شعب أبيي كانت واضحة ولا لبس فيها: إنهم يريدون أن يُسمع صوتهم وأن تُحترم إرادتهم.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت أرض أبيي تحظى بكل هذه الأهمية، فأين الالتزام ذاته بحماية كرامة وحقوق الإنسان لسكانها؟
لقد شهد العالم معاناة أعداد كبيرة من السودانيين الذين تضرروا من النزاعات والنزوح، كما سلطت أوضاع المجتمعات الباحثة عن الأمن والحماية، بما في ذلك أبناء أبيي الذين يعيشون خارج موطنهم، الضوء على تساؤلات مشروعة بشأن مدى الاهتمام الذي حظيت به كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
فلا يمكن لأي دولة أن تدّعي الدفاع عن أرض، بينما تتجاهل الإنسان المرتبط بها. فالأرض ليست حدودًا وموارد فحسب، بل هي أيضًا هوية وثقافة وانتماء وذاكرة جماعية.
وفي المقابل، تقع على عاتق قيادة جنوب السودان مسؤولية لا تقل أهمية. فاستمرار حالة الغموض التي تحيط بقضية أبيي يعكس سنوات من الإخفاق السياسي في التوصل إلى تسوية دائمة. إن دعم أبيي لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل يتطلب حماية السكان، وترسيخ الاستقرار، والدفاع عن العدالة وسيادة القانون.
وينبغي ألا تتحول أبيي إلى ورقة للمساومات السياسية أو أداة في الصراعات الإقليمية. فمستقبل المنطقة يجب أن يُبنى على الصدق والحوار والاحترام الكامل لإرادة سكانها وكرامتهم الإنسانية.
إن التاريخ لا يمكن محوه بالبيانات الرسمية، والهوية لا يمكن إلغاؤها بالقرارات السياسية.
فأبيي ليست مجرد أرض…
إنها شعب.
العراق: حادثة “طائرة مسيرة” بميناء البصرة النفطي
العراق: حادثة "طائرة مسيرة" بميناء البصرة النفطي
Read moreDetails











