بيدوا بدل مقديشو.. لماذا اختارت أنقرة موقعاً بعيداً عن العاصمة؟ وماذا تعني القاعدة المحتملة في ظل تصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر ومواجهة الإرهاب؟
انقرة – المنشر_الاخباري
تتجه تركيا نحو خطوة عسكرية جديدة في الصومال قد تعزز حضورها الاستراتيجي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، مع خطط لإنشاء منشأة جوية مخصصة لاستضافة طائرات مقاتلة تركية، بينها مقاتلات إف-16، داخل مطار بيدوا في ولاية جنوب غرب الصومال، وفق مصادر مطلعة على المشروع.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توسع غير مسبوق للعلاقات الدفاعية بين أنقرة ومقديشو، حيث تحولت الصومال خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم شركاء تركيا في القارة الإفريقية، ليس فقط على المستوى الاقتصادي والإنساني، بل أيضاً في المجال العسكري والأمني.
وبحسب المصادر، فإن اختيار مطار بيدوا لم يكن قراراً عشوائياً، إذ تفضل السلطات التركية هذا الموقع على مطار عدن عدي الدولي في مقديشو بسبب اعتبارات تتعلق بالأمن والقدرة التشغيلية.
وترى أنقرة، وفق التقارير، أن مطار العاصمة الصومالية يعاني من كثافة الحركة المدنية والعسكرية، ما قد يجعل أي اضطراب أمني أو هجوم محتمل يؤثر بشكل مباشر على العمليات، بينما يوفر مطار بيدوا مساحة أكبر لإنشاء منشآت عسكرية مستقلة وأكثر قدرة على تلبية احتياجات الطائرات الحربية.
منشأة لاستقبال المقاتلات والدعم اللوجستي
وتشير المعلومات إلى أن المشروع يتضمن تطوير البنية التحتية للمطار، بما في ذلك توسعة مدرج الطائرات، وإنشاء حظائر مخصصة للمقاتلات، ومناطق للصيانة والدعم الفني قادرة على التعامل مع الطائرات العسكرية التركية.
ومن المتوقع أن تضخ تركيا أكثر من 5 ملايين دولار لتنفيذ أعمال التطوير عبر شركة إنشاءات تعمل في العاصمة مقديشو، في خطوة تهدف إلى تحويل جزء من مطار بيدوا إلى منشأة قادرة على استقبال طائرات عسكرية متقدمة.
وفي حال اكتمال المشروع، فإن وجود مقاتلات إف-16 تركية في الأراضي الصومالية سيمثل تحولاً مهماً في طبيعة التعاون بين البلدين، إذ سينتقل من التدريب والدعم العسكري إلى مستوى أكثر تقدماً يشمل البنية الجوية والقدرات العملياتية.
نفوذ تركي يتوسع في قلب القرن الإفريقي
منذ سنوات، تعمل تركيا على تعزيز وجودها في الصومال عبر مشاريع متعددة، كان أبرزها إنشاء مركز ترسوم العسكري في مقديشو، الذي لعب دوراً في تدريب القوات الصومالية وتأهيل وحدات عسكرية لمواجهة الجماعات المسلحة.
كما وقعت أنقرة ومقديشو اتفاقيات دفاعية تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني وحماية المصالح المشتركة، في وقت تواجه فيه الصومال تهديدات مستمرة من حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ويرى محللون أن المنشأة الجوية المحتملة في بيدوا قد تمنح تركيا قدرة أكبر على مراقبة التحركات الأمنية في المنطقة، ودعم العمليات ضد الجماعات المسلحة، إضافة إلى تعزيز حضورها في منطقة قريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
البحر الأحمر وخليج عدن.. صراع النفوذ يتصاعد
لا تأتي الخطوة التركية بمعزل عن التطورات الإقليمية، فالقرن الإفريقي أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية بسبب موقعه الجغرافي القريب من البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهي ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة.
وتتنافس قوى عدة على تعزيز وجودها في المنطقة، من بينها الولايات المتحدة والصين وروسيا ودول إقليمية، ما يجعل أي توسع عسكري جديد يحمل أبعاداً تتجاوز حدود الصومال.
ويعتقد مراقبون أن إنشاء منشأة تركية قادرة على استضافة مقاتلات متقدمة قد يمنح أنقرة ورقة إضافية في معادلة الأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد المخاوف من تهديدات الملاحة والهجمات المسلحة في المنطقة.
الصومال يبحث عن دعم أمني طويل الأمد
في المقابل، تواجه الحكومة الصومالية تحديات كبيرة في ملف الأمن، خاصة مع الضغوط المتعلقة بمستقبل بعثة الاتحاد الإفريقي الداعمة للاستقرار في البلاد، والصعوبات المالية التي تهدد استمرار بعض العمليات الأمنية الدولية.
ومع توقع انتقال مسؤوليات أكبر إلى القوات الصومالية والشركاء الإقليميين، تسعى مقديشو إلى بناء قدراتها العسكرية وتعزيز التعاون مع الدول التي يمكنها تقديم التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي.
وترى الحكومة الصومالية أن الشراكة مع تركيا تمثل فرصة لتعزيز الجيش الوطني وتطوير قدراته، بينما تنظر أنقرة إلى الصومال باعتباره شريكاً استراتيجياً في منطقة ذات أهمية متزايدة.
خطوة قد تغير ميزان القوة
ورغم عدم إعلان موعد رسمي لبدء تنفيذ المشروع أو تفاصيل كاملة حول طبيعة القوات التي ستتمركز فيه، فإن إنشاء منشأة جوية تركية في بيدوا، إذا تحقق، سيكون من أبرز مظاهر الحضور العسكري التركي في إفريقيا.
فالخطوة لا تتعلق فقط ببناء مدرج أو حظائر للطائرات، بل تعكس تحولاً أوسع في سياسة أنقرة الخارجية، التي تسعى إلى توسيع نفوذها الدفاعي والاقتصادي في مناطق استراتيجية حول العالم.
وفي ظل استمرار التوترات الأمنية في القرن الإفريقي، وتصاعد أهمية البحر الأحمر، قد تصبح قاعدة بيدوا المحتملة نقطة جديدة في خريطة التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة.










