المعركة حول الاتفاق لا تتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل، بل بمستقبل سيادة الدولة اللبنانية ومن يملك قرار الحرب والسلام في البلاد.
بيروت – المنشر_الاخباري
أثار اتفاق السلام المقترح بين لبنان وإسرائيل واحدة من أكثر المواجهات السياسية حدة في لبنان خلال السنوات الأخيرة، حيث تحركت قوى سياسية وأحزاب وتيارات إقليمية لمحاولة عرقلة الاتفاق حتى قبل بدء تنفيذه.
فالخلاف لا يدور فقط حول تفاصيل الاتفاق أو بنوده الأمنية، بل حول قضية أعمق تتعلق بمستقبل لبنان نفسه: هل تكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار الوحيد في قضايا الأمن والسياسة الخارجية، أم تبقى هذه الملفات مرتبطة بقوى مسلحة وحسابات إقليمية؟
الاتفاق، الذي يجري برعاية أمريكية، يقوم على مسار تدريجي يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة في جنوب لبنان، مقابل تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة عن الحدود، إلى جانب وضع إطار لحل الخلافات الحدودية القائمة بين الجانبين وإنهاء سنوات طويلة من المواجهات.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن هذه الخطوة تمثل فرصة تاريخية للبنان لاستعادة سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها، بعد عقود شهدت فيها البلاد حروبًا وصراعات جعلت قرارات الحرب والسلام تتأثر بعوامل تتجاوز الحكومة اللبنانية.
أما المعارضون، فيرون أن الاتفاق قد يضعف قدرة لبنان على مواجهة إسرائيل، ويؤكدون أن أي اتفاق يجب أن يحافظ على سيادة البلاد وحقوقها وأمنها طويل الأمد.
لماذا يعارض حزب الله وحلفاؤه الاتفاق؟
تتركز المعارضة الأبرز للاتفاق حول حزب الله وحركة أمل وعدد من القوى السياسية التي تعتبر أن أي تطبيع مع إسرائيل يتعارض مع رؤيتها لمصالح لبنان الاستراتيجية.
ويرى أنصار الاتفاق أن نجاح المبادرة سيؤدي إلى تغيير جوهري في ميزان القوى داخل لبنان، لأن انتقال مسؤولية حماية الحدود إلى الجيش اللبناني سيعيد طرح ملف سلاح حزب الله ودور القوى المسلحة خارج إطار الدولة.
ويعتبر هؤلاء أن حزب الله، الذي يحظى بدعم إيراني، استفاد لعقود من استمرار حالة الصراع مع إسرائيل لتبرير احتفاظه بقدرات عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
لكن حزب الله وحلفاءه يرفضون هذا الطرح، مؤكدين أن سلاح الحزب يمثل عنصر ردع ضروريًا، وأن التخلي عن القوة العسكرية قبل الحصول على ضمانات أمنية شاملة قد يجعل لبنان أكثر عرضة للتهديدات.
لماذا يعود تاريخ 6 فبراير 1984 إلى الواجهة؟
يرى كثير من اللبنانيين تشابهًا بين الجدل الحالي وما حدث بعد انهيار اتفاق 17 مايو 1983 مع إسرائيل، عقب أحداث 6 فبراير 1984، وهي المرحلة التي فتحت الباب أمام سنوات طويلة من النفوذ السوري في الحياة السياسية اللبنانية.
وبينما يختلف اللبنانيون في تقييم تلك المرحلة، فإنها أصبحت مثالًا على الصراع المستمر حول حدود سلطة الدولة ومن يملك القرار في القضايا المصيرية.
ويعتقد مؤيدو الاتفاق الحالي أن الظروف تغيرت بشكل كبير، مشيرين إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، والضغوط التي يواجهها حزب الله، والانهيار الاقتصادي الذي جعل الاستقرار أولوية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
كما يرون أن التحولات الإقليمية، وخاصة اتفاقيات إبراهيم، خلقت واقعًا جديدًا يمكن أن يساعد على إعادة رسم العلاقات في الشرق الأوسط.
ما الذي يمكن أن يغيره الاتفاق؟
بالنسبة لكثير من اللبنانيين، القضية ليست فقط اتفاقًا مع إسرائيل، بل فرصة للخروج من دائرة الأزمات التي عاشتها البلاد لسنوات.
ويقول مؤيدو الاتفاق إن تعزيز دور الجيش اللبناني وإعادة احتكار الدولة للقرار الأمني قد يساعدان على جذب الاستثمارات، وتنشيط الاقتصاد، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
لكن منتقدي الاتفاق يحذرون من أن السلام وحده لن يحل مشاكل لبنان السياسية والاقتصادية، وأن أي اتفاق يجب أن يحمي مصالح الدولة وسيادتها بشكل كامل.
وفي النهاية، فإن المعركة حول اتفاق السلام بين لبنان وإسرائيل هي معركة على هوية لبنان ومستقبله: هل يصبح بلدًا يملك قرار الحرب والسلام عبر مؤسساته الرسمية، أم يبقى ساحة تتنافس فيها القوى الداخلية والإقليمية؟
فالاتفاقات لا تنهي الحروب فقط، بل تحدد أيضًا من يملك سلطة اتخاذ قرار خوضها.










