التمويل الأوروبي ينقذ السلطة الفلسطينية من الانهيار الاقتصادي.. أرقام تكشف حجم الأزمة واعتماد رام الله على الدعم الخارجي وتراجع الدعم العربى
رام الله- المنشر_الاخباري
كشفت دراسة جديدة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن السلطة الفلسطينية تفادت الانهيار الاقتصادي الكامل خلال السنوات الأخيرة بفضل تدفقات مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، في وقت تراجعت فيه عائدات الضرائب المحولة من إسرائيل وانخفضت مساهمات الدول العربية إلى مستويات محدودة.
وتشير الدراسة إلى أن الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية تصاعدت بشكل كبير منذ عام 2018، عندما بدأت إسرائيل باقتطاع أجزاء من أموال الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة، بسبب اعتراضها على سياسة دفع مخصصات لعائلات منفذي العمليات ضد الإسرائيليين. ومع اندلاع الحرب في عام 2023، ازدادت الضغوط الاقتصادية مع فقدان عشرات الآلاف من الفلسطينيين وظائفهم داخل إسرائيل وتراجع النشاط التجاري في الضفة الغربية.
أزمة مالية تهدد قدرة السلطة على الاستمرار
بحسب التقرير، فإن السلطة الفلسطينية كانت ستواجه عجزًا ماليًا هيكليًا منذ عام 2018 لو لم تحصل على مساعدات خارجية، إذ أصبحت نفقاتها تتجاوز بشكل مستمر قدرتها على جمع الإيرادات المحلية.
وأوضحت بيانات المعهد أن السلطة جمعت خلال عام 2023 نحو 3.9 مليارات شيكل من الضرائب المحلية، إضافة إلى نحو 1.5 مليار شيكل من الإيرادات غير الضريبية، بينما بلغت نفقاتها السنوية أكثر من 14.7 مليار شيكل، ما ترك فجوة مالية كبيرة يصعب سدها دون دعم خارجي.
ورغم الحديث المتكرر خلال السنوات الماضية عن احتمال انهيار السلطة الفلسطينية، فإنها تمكنت من البقاء حتى عام 2026 عبر تقليص الخدمات وتأخير صرف رواتب الموظفين، إضافة إلى الاعتماد على القروض من القطاع المصرفي المحلي.
الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في صدارة الداعمين
أكد تقرير INSS أن الدعم الغربي لعب الدور الأكبر في منع انهيار السلطة، حيث ارتفعت المساعدات الخارجية بشكل ملحوظ بعد عام 2023.
وقفز التمويل الخارجي من نحو مليار شيكل عام 2021 إلى حوالي 3 مليارات شيكل عام 2024، ثم إلى نحو 3.2 مليارات شيكل عام 2025، في تحول كبير مقارنة بالسنوات السابقة.
وساهم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي بالحصة الأكبر من هذا الدعم، حيث ارتفعت مساهمة الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 1.5 مليار شيكل عام 2025، بينما زاد دعم البنك الدولي إلى نحو 838 مليون شيكل خلال العام نفسه.
ويرى المعهد أن هذا الارتفاع يعكس قناعة أوروبية بأن السلطة الفلسطينية تمثل طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، وأن انهيارها قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في الضفة الغربية والمنطقة بشكل أوسع.
تراجع الدعم العربي وتقلص أموال الضرائب
في المقابل، أظهرت البيانات أن مساهمة الدول العربية بقيت محدودة مقارنة بالدعم الأوروبي والدولي، حيث بلغت نحو 611 مليون شيكل عام 2024، وانخفضت إلى حوالي 392 مليون شيكل عام 2025.
كما تراجعت الأموال التي تحصل عليها السلطة من عائدات الضرائب التي تجمعها إسرائيل لصالحها بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية. فبعد أن كانت هذه الأموال تصل إلى نحو 11 أو 12 مليار شيكل سنويًا قبل عام 2023، بدأت تتقلص بسبب الاقتطاعات الإسرائيلية، حتى وصلت إلى نحو ملياري شيكل فقط عام 2025.
وأشارت الدراسة إلى أن السلطة لم تعد تحصل على عائدات المقاصة اعتبارًا من عام 2025، ما زاد من اعتمادها على المساعدات الخارجية.
ديون متراكمة ورواتب متأخرة تضغط على الاقتصاد
لم يقتصر تأثير الأزمة على الموازنة العامة فقط، بل امتد إلى الموظفين والموردين، إذ لجأت السلطة إلى تأجيل دفع الرواتب أو صرف جزء منها، إضافة إلى تراكم مستحقات مالية للقطاع الخاص.
وبحسب التقرير، حصل موظفو القطاع العام خلال عامي 2024 و2025 على نحو 70 بالمئة فقط من رواتبهم المستحقة، بينما تم تسجيل الجزء المتبقي كديون مستقبلية على الحكومة الفلسطينية.
ويرى المعهد أن هذه السياسة ساعدت السلطة على البقاء مؤقتًا، لكنها تحمل مخاطر كبيرة على قدرتها المستقبلية على تقديم الخدمات الأساسية والحفاظ على استقرار مؤسساتها.
أموال دولية وسط جدل سياسي
وأشار التقرير إلى أن جزءًا من التمويل الأوروبي يمر عبر مؤسسات مالية فلسطينية، وسط انتقادات إسرائيلية لبعض هذه المؤسسات، بزعم وجود حسابات مرتبطة بدفع مخصصات لعائلات معتقلين أو منفذي هجمات.
كما أعلنت مؤسسات أوروبية خلال الفترة الماضية عن خطط لضخ استثمارات جديدة في الاقتصاد الفلسطيني، بعضها يهدف إلى تجاوز الحكومة الفلسطينية بشكل مباشر عبر توجيه الأموال إلى القطاع الخاص والمؤسسات المالية.
وتبقى السلطة الفلسطينية أمام معادلة صعبة؛ فهي تعتمد على الدعم الدولي للحفاظ على بقائها، لكنها تواجه في الوقت نفسه أزمة مالية متفاقمة، وتراجعًا في الإيرادات، وتحديات سياسية وأمنية تجعل مستقبلها الاقتصادي محل نقاش مستمر.










