يبرز اسم الدكتور عبد الرحمن محمد السيد، المعروف عالميا ومحليا بـ “عبد السيد”، كأحد أهم الوجوه السياسية الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. فهو طبيب أمريكي من أصل مصري، وعالم أوبئة بارز، وسياسي شاب ينتمي إلى التيار التقدمي.
ولد السيد عام 1984 لأبوين مهاجرين مصريين في منطقة ديترويت بولاية ميشيغان، وبنى مسيرة أكاديمية ومهنية متميزة تضمنت حصوله على شهادات عليا وتولي مناصب قيادية رفيعة، من أبرزها شغله لمنصب مدير الصحة في مدينة ديترويت، ليشق طريقه بحماس وثبات نحو الترشح كمرشح الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان.
وتعد هذه الانتخابات التمهيدية المحطة الانتخابية الثانية الكبرى للسيد على مستوى الولاية، بعد محاولته الأولى البارزة في عام 2018. وفي كلا السباقين، دخل السيد كمرشح ضعيف الحظوظ نسبيا ومتحالفا بشكل وثيق مع التيار اليساري والتقدمي بقيادة بيرني ساندرز.
غير أن المشهد اختلف جذريا في هذه المعركة الانتخابية الساعية لخلافة السيناتور المنتهية ولايته غاري بيترز؛ إذ نجح السيد في تحويل موقعه من مرشح ديمقراطي ضعيف إلى مرشح مرجح وبقوة للفوز بالترشيح، متسلحا بخبرة متراكمة وشعبية واسعة وقاعدة مؤيدين تتسع باستمرار.
استطلاعات الرأي وحالة الذعر داخل المؤسسة الديمقراطية
تؤكد معظم استطلاعات الرأي العامة والخاصة تقدم السيد الملحوظ في السباق التمهيدي. وفي أحدث استطلاع أجري في سبتمبر، أظهر السيد تفوقا واضحا بنسبة 46% مقابل 36% منافسته النائبة هالي ستيفنز، مع وجود نسبة من الناخبين لم تحسم أمرها بعد.
يأتي ذلك في وقت أدى فيه تصاعد شعبية السيد وخطابه الشعبوي الجذاب إلى حالة من “الذعر الجماعي” بين دوائر المؤسسة الديمقراطية وكبار القيادات التقليدية، الذين بذلوا جهودا محمومة لمحاولة عرقلة صعوده ومنعه من الفوز ببطاقة الترشيح.
وعلى الرغم من محاولات بعض الخصوم السياسيين واللجان الداعمة لإسرائيل، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، توجيه اتهامات وهجمات إعلامية للتشكيك في سجله ومواقفه، إلا أن الحملة واصلت تقدمها بثبات.
وقد حظي السيد بدعم جماهيري وشعبي كبير، توج بتجمعات حاشدة شاركت فيها قيادات تقدمية بارزة مثل النائبة براميلا جايابال التي سافرت خصيصا لدعم ترشحه، معتبرة أن هذا السباق يتابعه الجميع باهتمام بالغ نظرا لتأثيره العابر لحدود الولاية.
ميشيغان كأرض اختبار سياسي وإيديولوجي للديمقراطيين
تمثل ولاية ميشيغان ساحة معركة رئاسية بالغة الأهمية وموطنا لواحدة من أكبر الجاليات العربية والمسلمة الأمريكية في البلاد، مما يجعلها مختبرا حقيقيا لمستقبل الحزب الديمقراطي الانتخابي والأيديولوجي.
وفي ظل تراجع التأييد التقليدي لإسرائيل داخل صفوف الديمقراطيين -وفقا لاستطلاعات حديثة تشير إلى أن أغلبية ساحقة تعارض استمرار المساعدات العسكرية وغير المشروطة لدسرائيل- تصبح مواقف السيد المناهضة للسياسات الإسرائيلية والداعمة للحقوق الفلسطينية ورقة قوة رئيسية تتماشى مع تطلعات القاعدة التقدمية المتنامية.
كما أن الانتخابات تعد اختبارا حقيقيا لمدى رضا الناخبين عن السياسات الاقتصادية السائدة. فالتوجهات الشعبوية الاقتصادية التي يتبناها السيد، والتي تركز على الرعاية الصحية الشاملة، ورفع الضرائب على الشركات الكبرى والأثرياء، وتقليص التفاوت الطبقي، تتقاطع تماما مع المزاج العام لليبراليين والديمقراطيين الجدد الذين يمثلون النسبة الأكبر من قاعدة الحزب اليوم.
دروس الماضي والتطور الشخصي والسياسي
بالعودة إلى محطة عام 2018، خاض السيد حملته الأولى لمنصب حاكم الولاية في مشهد سياسي مختلف تماما، حيث كان يسعى لإثبات وجوده في وجه المؤسسة الحزبية الكلاسيكية.
وحين سئل مؤخرا عن الفرق بين تلك التجربة والوضع الحالي، أكد السيد أن سنوات النضج وتأسيس عائلة وإنجاب طفلين منحته صبرا وعمقا أكبر في مقاربة القضايا.
وأوضح أن التركيز اليوم لم يعد منصبا على الشخص، بل على تقديم حلول عملية وملموسة لحياة الناس اليومية، متخليا عن بعض حماسة البدايات لصالح خطابات أكثر رصانة واحترافية.
لقد بدأت مسيرة عبد السيد المبكرة محفوفة بالتحديات والتساؤلات، بدءا من تفوقه الأكاديمي في جامعة ميشيغان، مرورا بإلقائه خطاب التخرج لدفعتي 2007 بحضور الرئيس الأسبق بيل كلينتون الذي أشاد بموهبته الخطابية الفذة، وصولا إلى تحوله اليوم إلى رقم قياسي وصعب في معادلة السياسة الأمريكية الوطنية.
وسواء أسفرت هذه الانتخابات عن فوزه الحاسم بمقعد مجلس الشيوخ أم لا، فإن صعود عبد الرحمن السيد يثبت أن التيار التقدمي بات قوة حقيقية تعيد صياغة مستقبل الحزب الديمقراطي لسنوات قادمة.








