صوفيا – المنشر_الاخباري
استدعت بلغاريا السفير الأوكراني لدى صوفيا، عقب انفجار طائرة مسيّرة أوكرانية داخل الأراضي البلغارية بالقرب من منشأة مرتبطة بشبكة نقل الغاز، في حادثة أثارت مخاوف أمنية جديدة بشأن امتداد تداعيات الحرب الأوكرانية إلى أراضي دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وقالت وزارة الخارجية البلغارية إن اجتماعًا عُقد بين وزيرة الخارجية فيليسلافا بيتروفا-تشاموفا والسفير الأوكراني في صوفيا، وذلك بعد أن أفادت وزارة الدفاع البلغارية بأن الطائرة المسيّرة التي انفجرت داخل الأراضي البلغارية من طراز يُستخدم على نطاق واسع من جانب القوات المسلحة الأوكرانية.
ووقع الانفجار يوم السبت بالقرب من معبر كاردام الحدودي مع رومانيا، حيث قالت السلطات البلغارية إن الطائرة المسيّرة انفجرت ذاتيًا على مسافة تقارب ألف متر من محطة لضغط الغاز مرتبطة بخط أنابيب غاز.
وأثارت الواقعة اهتمامًا خاصًا بسبب قرب موقع الانفجار من منشآت مرتبطة بخط أنابيب الغاز العابر للبلقان، الذي يمثل أحد مسارات نقل الغاز في منطقة جنوب شرق أوروبا.
مسيّرة قرب منشأة غازية
وبحسب السلطات البلغارية، فإن الطائرة المسيّرة لم تصطدم مباشرة بالمنشأة الغازية، لكنها انفجرت في منطقة قريبة منها، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى التعامل مع الحادث باعتباره واقعة ذات حساسية أمنية.
وأشارت تقارير إلى احتمال أن تكون المسيّرة قد استهدفت منشأة مرتبطة بخط أنابيب الغاز العابر للبلقان، إلا أن السلطات لم تعلن بصورة قاطعة أن المنشأة كانت الهدف المقصود للهجوم.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من انتقال تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية إلى مناطق خارج ساحة القتال المباشر، خصوصًا مع الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
كييف تنفي الاستهداف المتعمد
من جانبها، قللت كييف من أهمية الحادث، مؤكدة أن القوات المسلحة الأوكرانية لم تتعمد استهداف الأراضي البلغارية أو المنشآت الاستراتيجية الموجودة بالقرب من موقع الانفجار.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية غيورغي تيخي إن بلاده على اتصال وثيق مع الجانب البلغاري من أجل تحديد ملابسات الحادث.
وأضاف أن كييف تستطيع القول بثقة إن القوات المسلحة الأوكرانية لم توجه عمدًا أي من أسلحتها أو طائراتها نحو بلغاريا.
وأكد المتحدث أن أوكرانيا ستفتح تحقيقًا في الحادث، مشيرًا إلى استعداد بلاده الكامل للتعاون مع السلطات البلغارية من أجل توضيح ظروف وصول المسيّرة إلى الأراضي البلغارية وانفجارها هناك.
ويأتي النفي الأوكراني في ظل حساسية خاصة للحادث، إذ إن بلغاريا عضو في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل أي حادث عسكري داخل أراضيها موضع اهتمام أمني وسياسي من جانب الدول الأعضاء في الحلف.
مسيّرات أوكرانية خارج ساحة الحرب
شهدت الحرب الروسية–الأوكرانية خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في استخدام الطائرات المسيّرة، سواء في تنفيذ الهجمات على مواقع عسكرية أو بنى تحتية أو منشآت استراتيجية.
وتعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على أنظمة مسيّرة محلية الصنع، في إطار جهودها لتعويض بعض أوجه النقص في القدرات العسكرية التقليدية وتنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وفي الوقت نفسه، سجلت حوادث سابقة لعبور طائرات مسيّرة أو بقاياها إلى أجواء دول مجاورة، ما أثار مخاوف لدى بعض الدول الأوروبية من إمكانية توسع نطاق العمليات العسكرية خارج الحدود الأوكرانية.
وتكتسب الحوادث التي تقع في دول أعضاء في الناتو حساسية مضاعفة، خصوصًا عندما تكون بالقرب من منشآت استراتيجية أو بنى تحتية للطاقة.
أهمية خط الغاز العابر للبلقان
ويزيد موقع الحادث من أهميته بسبب قربه من منشآت مرتبطة بخط أنابيب الغاز العابر للبلقان.
وكان الخط في السابق يستخدم لنقل الغاز الطبيعي الروسي عبر أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وصولًا إلى تركيا، ومن ثم إلى دول في جنوب أوروبا.
لكن تغير خريطة إمدادات الطاقة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة أدى إلى إعادة توظيف الخط في نقل مصادر غاز غير روسية.
وباتت المنظومة تُستخدم لنقل إمدادات من مصادر مختلفة، من بينها الغاز الأذربيجاني، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال الذي يصل إلى المنطقة عبر اليونان، مع امتدادات وشبكات مرتبطة بالأسواق في اليونان ومقدونيا الشمالية.
وبالتالي، فإن أي حادث بالقرب من منشآت هذه الشبكة يثير مخاوف تتعلق بأمن الطاقة في جنوب شرق أوروبا، خصوصًا في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الغاز وتقليل اعتمادها على الإمدادات الروسية.
حادث أمني أم خطأ عملياتي؟
يبقى السؤال الأساسي الذي ستسعى التحقيقات البلغارية والأوكرانية إلى الإجابة عنه هو: كيف وصلت الطائرة المسيّرة إلى الأراضي البلغارية؟
فإذا ثبت أنها انحرفت عن مسارها نتيجة خلل تقني أو ظروف عملياتية، فقد ينتهي الحادث باعتباره واقعة عرضية مرتبطة بالحرب.
أما إذا تبين أنها كانت تستهدف منشأة غازية داخل الأراضي البلغارية، فإن الحادث سيأخذ بعدًا سياسيًا وأمنيًا مختلفًا تمامًا.
ويزيد من أهمية التحقيق أن الانفجار وقع قرب بنية تحتية للطاقة، في وقت أصبحت فيه منشآت الغاز وخطوط الأنابيب ومحطات الضغط في أوروبا جزءًا من الحسابات الأمنية المرتبطة بالحرب.
كما أن تحديد مصدر المسيّرة وطبيعة حمولتها والمسار الذي اتبعته قبل دخولها الأجواء البلغارية سيكون أمرًا أساسيًا في تقييم الحادث.
بلغاريا أمام اختبار أمني
تمثل الواقعة اختبارًا جديدًا لبلغاريا، التي تقع على الجناح الشرقي لحلف الناتو وتملك حدودًا مباشرة مع رومانيا وتركيا، فضلًا عن موقعها على البحر الأسود.
وقد أصبحت دول شرق أوروبا أكثر حساسية تجاه مخاطر الطائرات المسيّرة نتيجة قربها الجغرافي من مناطق العمليات العسكرية في أوكرانيا والبحر الأسود.
وفي حال تكررت مثل هذه الحوادث، فقد تدفع بلغاريا ودول أخرى في المنطقة إلى تعزيز أنظمة مراقبة المجال الجوي، وتوسيع قدراتها على اكتشاف المسيّرات واعتراضها، خصوصًا بالقرب من منشآت الطاقة والموانئ والمنشآت العسكرية.
تداعيات تتجاوز حدود بلغاريا
ولا تقتصر أهمية الحادث على العلاقات الثنائية بين صوفيا وكييف.
فبلغاريا عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وأي حادث عسكري داخل أراضيها يمكن أن يثير نقاشًا أوسع حول أمن دول الحلف وحدود الصراع الأوكراني.
وفي المقابل، فإن النفي الأوكراني للاستهداف المتعمد، إلى جانب إعلان كييف استعدادها للتعاون في التحقيق، قد يساعد في احتواء التداعيات السياسية للحادث ومنع تحوله إلى أزمة أكبر.
لكن استمرار سقوط المسيّرات أو دخولها أجواء دول مجاورة سيبقى مصدر قلق للحكومات الأوروبية، خصوصًا إذا اقتربت من منشآت حيوية مثل خطوط الغاز ومحطات الكهرباء والموانئ والمنشآت العسكرية.
استدعاء بلغاريا للسفير الأوكراني بعد انفجار المسيّرة يعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بأي حادث عسكري يقع خارج الحدود المباشرة للحرب الروسية–الأوكرانية.
وفيما تؤكد كييف أن المسيّرة لم تكن موجهة عمدًا نحو بلغاريا، فإن قرب موقع الانفجار من منشأة مرتبطة بخط أنابيب غاز استراتيجي يضيف بُعدًا خطيرًا للحادث.
ويبقى التحقيق في مصدر المسيّرة ومسارها والهدف المحتمل لها العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الواقعة مجرد انحراف غير مقصود لمسيّرة أو حادثًا أكثر خطورة يستهدف بنية تحتية استراتيجية في دولة عضو في الناتو.
وفي جميع الأحوال، يكشف الحادث مرة أخرى أن التطور السريع في استخدام الطائرات المسيّرة جعل الحدود بين ساحات الحرب ومحيطها الإقليمي أكثر هشاشة، وأن أمن البنية التحتية للطاقة بات جزءًا أساسيًا من الحسابات العسكرية والأمنية في أوروبا.










