مصدر جمهوري يكشف أن الاعتراضات المعلنة على نقل تكنولوجيا منظومة باتريوت لا تتعلق فقط بالملكية الفكرية، بل بمخاوف من قدرة أوكرانيا على تطوير الصواريخ وإنتاجها بكميات أكبر وتكلفة أقل من خطوط الإنتاج الأميركية.
واشنطن- المنشر_الاخباري
تواجه المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا بشأن السماح لكييف بتصنيع صواريخ منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» محلياً عقبة جديدة، وسط مقاومة من شركتي الدفاع الأميركيتين لوكهيد مارتن ورايثيون، المصنعتين الرئيسيتين للمنظومة، وفق تقرير نشره موقع «عسلسان» نقلاً عن مصادر إعلامية أميركية.
وبحسب التقرير، فإن الاعتراضات الرسمية التي قد تقدمها الشركات تتركز على حماية الملكية الفكرية ومنع نقل التكنولوجيا الحساسة أو استخدامها خارج الأطر المتفق عليها، إلا أن مسؤولاً جمهورياً مطلعاً على الملف قال إن المخاوف التجارية تمثل جانباً أساسياً من موقف شركات الدفاع.
ويتمثل القلق، وفق المصدر، في احتمال أن تتمكن أوكرانيا من إدخال تحسينات على صواريخ باتريوت، ثم تطوير قدرة إنتاج واسعة النطاق بسرعة أكبر وبكلفة أقل من خطوط الإنتاج القائمة في الولايات المتحدة.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه كييف توسيع قدراتها التصنيعية المحلية، بعدما دفعتها الحرب مع روسيا إلى تسريع تطوير وإنتاج الأسلحة والأنظمة غير المأهولة، في ظل تراجع أو محدودية بعض أشكال الدعم العسكري الغربي.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد طلب رسمياً الحصول على ترخيص لتصنيع منظومة باتريوت خلال اجتماعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم 28 يوليو/تموز.
وبعد يومين، أبدى ترامب تحفظاً بشأن نقل التكنولوجيا، قائلاً في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» إن باتريوت «سلاح استثنائي»، وإن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون «حذرة بعض الشيء» بشأن الجهات التي تمنحها تراخيص لتصنيعه.
لكن زيلينسكي أعلن في 8 أغسطس/آب أن اتفاقاً تم التوصل إليه مع ترامب بشأن منح التراخيص، وكتب عبر منصة «إكس» أن الإدارة الأميركية وافقت على نقل الترخيص، منتقداً في الوقت نفسه تأخر الخطوة، ومشيراً إلى أن أوكرانيا كانت ستتمكن، لو حصلت عليه قبل سنوات، من إنتاج صواريخ باتريوت بكميات كبيرة.
ولم تؤكد واشنطن حتى الآن بصورة رسمية ونهائية إتمام اتفاق نقل الترخيص، ما يبقي مستقبل المشروع مفتوحاً على مزيد من المفاوضات.
وتزداد أهمية الخلاف بسبب التحول الكبير الذي شهدته الصناعة الدفاعية الأوكرانية خلال سنوات الحرب. فقد ركزت كييف على تطوير نماذج إنتاج سريعة ومنخفضة التكلفة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والذخائر، مع الاعتماد على تعديلات ميدانية مستمرة للتكنولوجيا الغربية والتجارية.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، تنتج أوكرانيا حالياً نحو 10 ملايين طائرة مسيّرة سنوياً، مقارنة بنحو 100 ألف مسيّرة تنتجها الولايات المتحدة، وهو فارق يعكس اتساع قاعدة التصنيع الأوكرانية في هذا المجال.
كما طورت شركات ومهندسون أوكرانيون أساليب لتعديل معدات غربية بهدف تحسين أدائها في ظروف القتال. ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير دمج أجهزة اتصال تجارية من «ستارلينك» في طائرات مسيّرة من طراز «هورنت»، في محاولة للتغلب على عمليات التشويش الإلكتروني الروسية وزيادة مدى التشغيل.
ويشير التقرير إلى أن هذه القدرة على التعديل السريع أصبحت من أبرز سمات الصناعة الدفاعية الأوكرانية، إذ تعمل الشركات المحلية على اختبار تقنيات جديدة وإدخالها إلى ساحة المعركة خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً.
ولا تقتصر المسألة على الطائرات المسيّرة، إذ توسعت أوكرانيا في إنتاج الذخائر والأنظمة العسكرية، إلى درجة أن الموازنات المحلية المخصصة للمشتريات الدفاعية لم تعد، وفق التقرير، قادرة دائماً على استيعاب كامل الإنتاج.
ويأتي الجدل حول باتريوت أيضاً في ظل ضغوط متزايدة على مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية. وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استُهلك جزء كبير من مخزونات صواريخ باتريوت الأميركية المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية.
وتحتاج أوكرانيا بصورة مستمرة إلى قدرات دفاع جوي متقدمة لمواجهة الهجمات الصاروخية الروسية، بينما لا تزال قدرتها المحلية على إنتاج أنظمة اعتراض بالستية بعيدة المدى محدودة.
ويشير التقرير إلى أن القوات الروسية أطلقت خلال الشهر الماضي 376 صاروخاً على أهداف أوكرانية، وهو رقم يعكس استمرار الضغط على شبكة الدفاع الجوي الأوكرانية، في وقت تواجه فيه كييف تحديات مرتبطة بتأمين مخزونات كافية من صواريخ الاعتراض.
وفي حال حصول أوكرانيا على ترخيص تصنيع باتريوت، فإن بناء خطوط إنتاج واسعة النطاق لن يكون فورياً، وقد يستغرق سنوات قبل الوصول إلى مستويات إنتاج كبيرة.
لكن كييف بدأت بالفعل في التحرك باتجاه تحويل قطاعها الدفاعي إلى صناعة قابلة للتصدير، بعد موافقة الحكومة الأوكرانية مؤخراً على استئناف صادرات الأسلحة الدفاعية، إلى جانب إبرام اتفاقيات تعاون أمني مع دول عربية وخليجية، من بينها قطر والسعودية والإمارات.
كما عرضت أوكرانيا خلال الفترة الماضية بعض تقنياتها الدفاعية في أسواق خارجية، ومن بينها نظام «سكاي ماب» الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار صوتية لرصد التهديدات الجوية.
وفي حال تنفيذ اتفاق تصنيع باتريوت، يمكن أن تمثل الخطوة تحولاً مهماً في موقع أوكرانيا داخل منظومة الصناعات الدفاعية الغربية، إذ ستنتقل من دولة تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الأسلحة الغربية إلى شريك قادر على تصنيع أحد أبرز أنظمة الدفاع الجوي الأميركية.
وهنا تكمن حساسية المشروع بالنسبة إلى لوكهيد مارتن ورايثيون، إذ قد يؤدي نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى ظهور قدرة تصنيع جديدة خارج الولايات المتحدة قادرة مستقبلاً على تطوير منتجات منافسة أو خفض تكاليف إنتاجها.
وبالتالي، فإن الخلاف حول ترخيص تصنيع باتريوت لا يتعلق فقط بتزويد أوكرانيا بالسلاح، بل يرتبط أيضاً بمستقبل سلاسل الإمداد الدفاعية الأميركية، وحماية التكنولوجيا العسكرية، وحدود الشراكة الصناعية مع كييف.
وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وحاجة كييف إلى تعزيز دفاعاتها الجوية، تبدو معادلة باتريوت أكثر تعقيداً من مجرد قرار بنقل ترخيص. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين دعم حليف يحتاج إلى زيادة قدراته الدفاعية، وبين حماية التكنولوجيا العسكرية الأميركية ومصالح شركات الدفاع التي تملك خبرة طويلة في تصنيع المنظومة.
وبينما تؤكد كييف استعدادها لتطوير قدراتها الصناعية، تظل موافقة واشنطن النهائية على نقل التكنولوجيا هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت أوكرانيا ستتمكن من دخول مرحلة جديدة في تصنيع منظومات الدفاع الجوي الأميركية، أم أن المخاوف الصناعية والتجارية ستؤجل المشروع.










