مسؤولون سابقون في الاستخبارات والأمن القومي يخرجون عن صمتهم ويحذرون من توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية وتسييس المعلومات السرية، بينما تدافع إدارة ترامب عن إجراءاتها باعتبارها تفكيكًا للبيروقراطية وترسيخًا لسلطة الرئيس.
واشنطن- المنشر_الاخباري
حذّر عدد متزايد من المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات والأمن القومي الأميركي من تراجع الضوابط المؤسسية التي تحد من صلاحيات السلطة التنفيذية، معتبرين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتبنى خلال ولايته الثانية ممارسات يرون أنها تقترب من أساليب الحكم السلطوي.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتسع فيه شبكة من المسؤولين السابقين الذين اختاروا الانتقال من العمل خلف الكواليس إلى توجيه انتقادات علنية للبيت الأبيض، في مؤشر على اتساع الخلاف بين الإدارة الحالية وأوساط سابقة في مجتمع الاستخبارات والأمن القومي.
ويتركز جانب من هذه المعارضة حول منظمة The Steady State التي تأسست عام 2016، وتضم، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أكثر من 400 مسؤول سابق في مجال الأمن القومي. وشهدت المنظمة زيادة في أعداد المنضمين إليها خلال الولاية الثانية لترامب، فيما يفضل نحو نصف أعضائها عدم الكشف عن هوياتهم، خشية ما يعتبرونه احتمال تعرضهم لضغوط أو إجراءات انتقامية من السلطة التنفيذية.
وفي موازاة ذلك، يعمل معهد دراسة حالات الاستثناء على إعداد تقرير يتناول احتمالات إساءة استخدام الصلاحيات الاستثنائية التي تمنحها حالات الطوارئ، بما في ذلك احتمال توظيفها للتأثير في الانتخابات الفيدرالية المقبلة.
وقال بول كولبي، الرئيس السابق لمحطة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، إن بعض التطورات الحالية تذكّر، من وجهة نظره، بالأساليب التي تلجأ إليها الأنظمة السلطوية لتركيز السلطة وتعزيز نفوذها على مؤسسات الدولة.
ويشير المنتقدون بصورة خاصة إلى ما يعتبرونه تسييسًا متزايدًا للمعلومات الاستخباراتية والمواد المصنفة سرية. ففي الشهر الماضي، استخدم ترامب خطابًا متلفزًا للحديث عن مزاعم تدخل صيني في الانتخابات الأميركية لعام 2020، مستندًا إلى وثائق رفعت عنها السرية حديثًا.
وأثارت الخطوة انتقادات، خصوصًا أن ما طرحه ترامب يتعارض مع تقييم صادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي عام 2021، خلص إلى عدم وجود تدخل صيني من النوع الذي وصفه الرئيس.
ويرى منتقدو الإدارة أن استخدام هذه الملفات في خطاب سياسي علني قد يساهم في التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية أن رفع السرية عن الوثائق يندرج ضمن سياسة تهدف إلى تعزيز الشفافية وإطلاع الرأي العام على المعلومات التي كانت محجوبة عنه. كما أكدت وكالة الاستخبارات المركزية أن مسؤوليها الكبار نسقوا مع فريق تابع للرئاسة خلال عملية الإفراج عن الملفات، مع اتخاذ إجراءات لحماية المصادر وأساليب جمع المعلومات.
ولا تقتصر مخاوف المسؤولين السابقين على ملف الوثائق الاستخباراتية، إذ يشير التقرير إلى سلسلة من الإجراءات المتعلقة بتراخيص التصريح الأمني.
وبعد عودته إلى البيت الأبيض، ألغى ترامب التصاريح الأمنية لنحو 50 مسؤولًا سابقًا ارتبطوا برسالة صدرت عام 2020 بشأن قضية حاسوب هانتر بايدن. وتبع ذلك سحب تصاريح من شخصيات أخرى انتقدت الرئيس أو عملت سابقًا في إدارة جو بايدن.
ويرى منتقدون أن استخدام التصاريح الأمنية كأداة لمعاقبة الخصوم السياسيين يمكن أن يخلق سابقة خطيرة داخل مؤسسات الأمن القومي، ويؤدي إلى إضعاف استقلالية المسؤولين الذين يتعاملون مع معلومات شديدة الحساسية.
من جهته، حذر المحامي المتخصص في قضايا الأمن القومي مارك زيد، الذي يخوض معركة قانونية بشأن سحب تصريحه الأمني، من أن المسار الحالي قد يقود إلى مزيد من التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية، معتبرًا أن عددًا من الضوابط التي كانت تحد من نفوذ الرئيس قد أزيل بالفعل.
في المقابل، ترفض إدارة ترامب هذه الانتقادات وتعتبرها امتدادًا لمعارضة سياسية تستهدف الرئيس وإدارته. وقالت الإدارة إن ترامب يمتلك تفويضًا واضحًا من الناخبين لإعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي وإنهاء ما تصفه بـ”تسليح” مؤسسات الحكومة واستخدامها ضد خصوم سياسيين.
كما دافعت وكالة الاستخبارات المركزية عن موقفها، وقللت من أهمية الانتقادات الصادرة عن بعض المسؤولين السابقين الذين فقدوا تصاريحهم الأمنية، مشيرة إلى خلفياتهم السياسية والقانونية.
ويكشف هذا السجال عن مواجهة أوسع تتجاوز الخلافات السياسية اليومية، لتطال طبيعة العلاقة بين الرئاسة ومؤسسات الاستخبارات والأمن القومي، وحدود استخدام الصلاحيات التنفيذية في ملفات الأمن والطوارئ والمعلومات السرية.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يتوقع أن تزداد حدة النقاش حول استقلال المؤسسات الفيدرالية، وآليات الرقابة على السلطة التنفيذية، ومدى قدرة المؤسسات الأميركية التقليدية على الحفاظ على الضوابط التي يفترض أن تمنع تركّز السلطة في يد جهة واحدة.










