واشنطن- المنشر_الاخباري
تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد موقفها تجاه الدول التي تسعى إلى الحفاظ على علاقات تكنولوجية متوازنة بين واشنطن وبكين، في خطوة تعكس تحول سباق الذكاء الاصطناعي من منافسة اقتصادية وتقنية إلى صراع جيوسياسي متزايد.
وتستعد واشنطن، بحسب مسودة رسالة داخلية اطلعت عليها رويترز، لتحذير عشرات الدول من أن مشاركتها في مبادرات صينية منافسة قد تؤدي إلى استبعادها من تحالف تقوده الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتعامل فيه الإدارة الأميركية مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم ميادين التنافس الاستراتيجي مع الصين، إلى جانب أشباه الموصلات والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد التكنولوجية.
واشنطن تريد حسم الاصطفاف
أطلقت الولايات المتحدة العام الماضي مبادرة «باكس سيليكا»، بهدف تعزيز التعاون بين حلفائها وشركائها في تأمين سلاسل الإمداد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية.
وانضمت إلى المبادرة نحو 24 دولة، بينها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، إضافة إلى كازاخستان التي تملك احتياطيات مهمة من المعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية المتقدمة.
لكن مشاركة كازاخستان في المبادرة الأميركية، بالتزامن مع انضمامها أيضًا إلى إطار تعاون صيني في مجال الذكاء الاصطناعي، أثارت قلقًا في واشنطن.
وتشير المسودة الأميركية إلى أن الولايات المتحدة تريد من الدول تحديد موقعها بوضوح، بدل محاولة الاستفادة من المبادرات المتنافسة في الوقت نفسه.
ويعكس هذا الموقف قناعة متزايدة داخل الإدارة الأميركية بأن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا اقتصاديًا منفصلًا عن الأمن القومي، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من القوة العسكرية والاقتصادية للدول.
الصين ترد بمشروع منافس
في المقابل، تعمل بكين على بناء منظومة دولية خاصة بها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي يوليو، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتعزيز النفوذ الصيني وتقديم نموذج مختلف عن المنظومة التي تقودها الولايات المتحدة.
وتروج الصين خصوصًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي ذات الأوزان المفتوحة، التي يمكن للمطورين الوصول إلى نماذجها وتعديلها واستخدامها بصورة أكثر مرونة.
وتعتبر واشنطن أن انتشار هذه التكنولوجيا يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها في الأسواق العالمية، خصوصًا في الدول التي تبحث عن بدائل أقل تكلفة أو أكثر انفتاحًا من النماذج الأميركية المغلقة.
ومن هنا يأتي الصراع بين النموذجين: نموذج تقوده شركات تكنولوجية أميركية كبرى، ونموذج صيني يسعى إلى نشر تقنيات مفتوحة وتوسيع قاعدة المستخدمين عالميًا.
لماذا أصبحت المعادن الحيوية جزءًا من المعركة؟
لا يتعلق سباق الذكاء الاصطناعي بالبرمجيات وحدها.
فالرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات وأجهزة الحوسبة المتقدمة تحتاج إلى سلاسل إمداد ضخمة من المعادن والمواد الخام.
وتسيطر الصين على حصة كبيرة من سوق عدد من المعادن الحيوية، وهو ما جعل هذه الموارد أداة ضغط جيوسياسية.
وقد استخدمت بكين في السنوات الماضية القيود التجارية على بعض المعادن الحيوية ضمن أدواتها في مواجهة الضغوط الأميركية والرسوم الجمركية.
ولهذا تحاول واشنطن تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على الصين، عبر بناء شراكات مع دول تمتلك احتياطيات من المعادن الضرورية للصناعات المتقدمة.
وتبرز كازاخستان هنا بوصفها دولة مهمة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بسبب مواردها الطبيعية.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى قضية أمن قومي
تتجاوز المنافسة بين واشنطن وبكين مسألة امتلاك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي.
فالقدرات الجديدة للذكاء الاصطناعي يمكن أن تستخدم في الاقتصاد والطب والعلوم، لكنها في الوقت نفسه قد تدخل في تطوير الأسلحة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية.
وتزداد المخاوف مع تطور الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام معقدة بدرجة أكبر من الاستقلالية، بما في ذلك اكتشاف الثغرات الإلكترونية والتعامل مع كميات هائلة من البيانات.
ولهذا ترى واشنطن أن السيطرة على منظومة الذكاء الاصطناعي تعني جزئيًا الحفاظ على التفوق العسكري والاقتصادي الأميركي خلال العقود المقبلة.
وفي المقابل، تعتبر الصين أن امتلاك قدرات متقدمة في هذا المجال ضروري لتعزيز قوتها الوطنية وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
الدول الصغيرة بين القوتين
المشكلة بالنسبة إلى العديد من الدول ليست في اختيار التكنولوجيا الأفضل فقط، وإنما في كيفية الحفاظ على علاقاتها مع القوتين.
فعدد من الدول لا يريد الانحياز بصورة كاملة إلى واشنطن أو بكين، خصوصًا الدول التي تعتمد اقتصاديًا على الصين، وفي الوقت نفسه ترتبط أمنيًا أو سياسيًا بالولايات المتحدة.
لكن الضغط الأميركي الجديد قد يجعل سياسة التوازن أكثر صعوبة.
وتحاول واشنطن إقناع شركائها بأن المشاركة في المبادرات الأميركية لا تعني مجرد الانضمام إلى مشروع اقتصادي، وإنما التزام سياسي واستراتيجي بمنظومة تكنولوجية محددة.
ومن وجهة النظر الأميركية، يصعب اعتبار دولة ما شريكًا موثوقًا في مجال التكنولوجيا إذا كانت في الوقت نفسه تشارك في مبادرة صينية تهدف إلى بناء منظومة منافسة.
كازاخستان في قلب الاختبار
تمثل كازاخستان مثالًا واضحًا على هذه المعضلة.
فالولايات المتحدة تعتبرها شريكًا مهمًا بسبب مواردها من المعادن الحيوية، كما رحبت بانضمامها إلى المبادرة الأميركية.
لكن مشاركتها أيضًا في الإطار الصيني جعلتها حالة اختبار حقيقية لسياسة واشنطن الجديدة.
فإذا تمكنت كازاخستان من البقاء ضمن المنظومتين، فقد تحذو دول أخرى حذوها، الأمر الذي قد يقلل من قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف تكنولوجي متماسك.
أما إذا أصرت واشنطن على أن العضوية في مبادرات صينية منافسة تتعارض مع الشراكة الأميركية، فقد تضطر كازاخستان وغيرها إلى إعادة النظر في حساباتها.
الصين ترفض تسييس التكنولوجيا
من جانبها، انتقدت الصين أي محاولة لتحويل التجارة والتكنولوجيا إلى أدوات للانقسام السياسي.
وتعتبر بكين أن فرض الاصطفاف بين الدول يهدد بتقسيم قطاع الذكاء الاصطناعي إلى منظومات متنافسة، بدل تطوير تعاون عالمي مفتوح.
وترى الصين أيضًا أن القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة تهدف إلى احتواء صعودها الاقتصادي والتكنولوجي.
وهذا يعني أن الخلاف لن يقتصر على الذكاء الاصطناعي، بل يمكن أن يمتد إلى التجارة والاستثمار والرقائق الإلكترونية والمعادن وسلاسل الإمداد العالمية.
نحو عالم تكنولوجي منقسم؟
الخطوة الأميركية الأخيرة قد تكون مؤشرًا على اتجاه أوسع نحو انقسام التكنولوجيا العالمية إلى منظومتين.
الأولى تتمحور حول الولايات المتحدة وحلفائها، وتركز على حماية التكنولوجيا المتقدمة وضبط صادرات الرقائق والذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية.
والثانية تقودها الصين، وتسعى إلى بناء شبكة دولية من الشراكات التكنولوجية والاقتصادية، مع التركيز على النماذج المفتوحة وتقليل الاعتماد على الشركات الغربية.
ويحذر مراقبون من أن مثل هذا الانقسام قد يرفع تكاليف التكنولوجيا ويعقد عمل الشركات العالمية، خصوصًا تلك التي تعتمد على سلاسل إمداد تمتد عبر الولايات المتحدة والصين ودول أخرى.
لكن بالنسبة إلى واشنطن، يبدو أن المخاطر الأمنية باتت تتقدم على الاعتبارات الاقتصادية.
معركة على مستقبل التكنولوجيا
ما يجري بين الولايات المتحدة والصين لم يعد مجرد سباق على تطوير روبوتات أكثر ذكاءً أو نماذج لغوية أكثر قدرة.
إنه صراع على من سيضع المعايير التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة، ومن سيمتلك البنية التحتية والرقائق والبيانات والموارد اللازمة لتشغيل تقنيات الجيل الجديد.
وإذا مضت واشنطن في مطالبة شركائها بالاختيار بين المبادرات المتنافسة، فإن ذلك قد يمثل مرحلة جديدة في المنافسة الأميركية الصينية، يصبح فيها الانضمام إلى تحالف تكنولوجي بمثابة موقف جيوسياسي بحد ذاته.
وبينما تسعى الصين إلى توسيع حضورها العالمي في الذكاء الاصطناعي، تحاول الولايات المتحدة منع منافستها من الوصول إلى الموارد والأسواق والخبرات التي تحتاجها لتحقيق تفوق طويل الأمد.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة هو من يملك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي؟، بل من يملك المنظومة العالمية التي تجعل هذه النماذج ممكنة وقابلة للتوسع؟










