سيول تؤكد أن لا مسؤولين كوريين أو أميركيين كانوا على علم مسبق بالقرار.. والخطوة تثير تساؤلات حول مستقبل التحالف والردع في مواجهة كوريا الشمالية
واشنطن – المنشر الإخباري
قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون إن بلاده فوجئت بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقليص المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، مؤكدًا أن المسؤولين في سيول وواشنطن لم يتلقوا إخطارًا مسبقًا بالقرار.
وأوضح تشو، خلال جلسة برلمانية في سيول، أن قرار تقليص التدريبات لم يكن نتيجة مشاورات مسبقة بين الحليفين، ما أثار تساؤلات بشأن مستوى التنسيق داخل التحالف الأميركي-الكوري الجنوبي، الذي يمثل أحد أهم ركائز الأمن في شبه الجزيرة الكورية.
وجاء القرار بعد أن أمر ترامب وزارة الدفاع الأميركية بتقليص المشاركة الأميركية في المناورات المشتركة، معتبرًا أن هذه التدريبات مكلفة، وأنها ترسل رسالة غير مناسبة إلى كوريا الشمالية. كما ربط ترامب موقفه بعلاقته الإيجابية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.
وبموجب التعديل الجديد، جرى تقليص مدة مناورات “درع الحرية أولتشي” من 11 يومًا إلى خمسة أيام، مع تقليص نطاق بعض التدريبات الميدانية. وكانت المناورات قد بدأت في 17 أغسطس/آب، وكان من المقرر أن تستمر حتى 27 أغسطس، قبل تعديل جدولها على خلفية القرار الأميركي.
وتكتسب هذه المناورات أهمية كبيرة بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، لأنها لا تُنظر إليها باعتبارها تدريبات عسكرية دورية فحسب، بل باعتبارها وسيلة أساسية لتعزيز التنسيق العملياتي بين القوات الكورية الجنوبية والأميركية، ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة أي هجوم محتمل من كوريا الشمالية.
وتشارك في المناورات قوات كورية جنوبية وأميركية، فيما تركز التدريبات بصورة كبيرة على القيادة والسيطرة والاستجابة للتهديدات العسكرية المحتملة. وكانت التدريبات السنوية تشكل منذ سنوات رسالة ردع إلى بيونغ يانغ، التي تنظر إليها بدورها باعتبارها تدريبات استفزازية وتتهم واشنطن وسيول باستخدامها للتحضير لعمل عسكري ضدها.
لماذا اتخذ ترامب القرار؟
يرتبط موقف ترامب بعدة اعتبارات. فقد انتقد الرئيس الأميركي مرارًا تكلفة التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، كما أشار هذه المرة إلى رفض سيول المشاركة في عمليات مرتبطة بالجهود الأميركية تجاه إيران. وفي الوقت نفسه، شدد ترامب على علاقته مع كيم جونغ أون، معتبرًا أن تقليص المناورات قد يساعد في خلق أجواء أكثر ملاءمة للحوار مع بيونغ يانغ.
لكن المفاجأة بالنسبة إلى سيول لا تتعلق بالقرار نفسه فقط، بل بالطريقة التي صدر بها. فإعلان قرار يتعلق بتمرين عسكري مشترك دون إخطار مسبق للحليف الكوري الجنوبي يثير مخاوف بشأن آلية اتخاذ القرارات داخل التحالف، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل الردع العسكري في شبه الجزيرة الكورية.
اختبار جديد للتحالف
وتضع الخطوة الأميركية كوريا الجنوبية أمام معادلة صعبة. فمن ناحية، قد يؤدي خفض مستوى المناورات إلى تخفيف التوتر مع كوريا الشمالية وفتح المجال أمام استئناف الحوار بين واشنطن وبيونغ يانغ. ومن ناحية أخرى، تخشى دوائر أمنية وسياسية في سيول أن يؤدي تقليص التدريبات إلى إضعاف الجاهزية العسكرية أو إرسال إشارة خاطئة إلى كوريا الشمالية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه بيونغ يانغ تطوير قدراتها الصاروخية والنووية، بينما تعزز علاقاتها العسكرية مع روسيا. ولذلك فإن أي تغيير في مستوى التعاون العسكري الأميركي-الكوري الجنوبي يحمل أهمية تتجاوز المناورات نفسها، ليصل إلى مستقبل استراتيجية الردع الأميركية في شرق آسيا.
وقد حاولت حكومة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ التعامل بحذر مع القرار، مع إبداء أمل في أن يؤدي تحسن العلاقات بين ترامب وكيم إلى فتح الطريق أمام حوار جديد وتحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة.
بيونغ يانغ ترفض الخطوة كإشارة سلام
ورغم أن تقليص المناورات يتوافق مع مطلب قديم لكوريا الشمالية، فإن بيونغ يانغ لم تعتبر الخطوة كافية لفتح صفحة جديدة مع واشنطن. فقد وصفت شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، كيم يو جونغ، تقليص التدريبات بأنه لا يغير طبيعتها الأساسية، مؤكدة أن المناورات تظل، من وجهة نظر بيونغ يانغ، أعمالًا عدائية.
وهذا يعني أن خطوة ترامب قد لا تحقق بالضرورة الهدف الدبلوماسي المتوقع منها. فحتى إذا اعتبرت كوريا الشمالية تقليص التدريبات تنازلًا أميركيًا، فإنها لا تبدو مستعدة تلقائيًا للعودة إلى المفاوضات دون الحصول على تنازلات أكبر.
قلق من سابقة جديدة
المسألة الأهم بالنسبة إلى سيول قد تكون ما إذا كان القرار يمثل إجراءً مؤقتًا أم بداية لتغيير أوسع في طبيعة الوجود العسكري الأميركي في شبه الجزيرة.
فالولايات المتحدة تحتفظ بنحو 28,500 جندي في كوريا الجنوبية، ويشكل وجودهم عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الردع المشتركة. ولذلك فإن تقليص المناورات، حتى لو لم يترافق حاليًا مع خفض القوات، قد يُقرأ باعتباره مؤشرًا على تحول تدريجي في أولويات واشنطن.
وفي المقابل، قد ترى إدارة ترامب أن تخفيض التدريبات لا يعني التخلي عن كوريا الجنوبية، بل يمثل إعادة ضبط للتدريب العسكري بما يتناسب مع هدف أوسع يتمثل في دفع كوريا الشمالية نحو الحوار.
لكن بالنسبة إلى سيول، فإن غياب المشاورات المسبقة هو الجزء الأكثر حساسية في القصة. فالتحالف لا يعتمد فقط على عدد الجنود أو حجم المناورات، وإنما أيضًا على الثقة والتنسيق السياسي والعسكري بين الطرفين.
وهكذا، تحولت المناورات العسكرية السنوية إلى اختبار جديد للعلاقة الأميركية-الكورية الجنوبية: هل يمثل تقليصها خطوة تكتيكية لفتح باب الحوار مع كيم جونغ أون، أم بداية لتغيير أوسع في التزام واشنطن الأمني تجاه سيول؟
وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى استثمار العلاقة الشخصية بين ترامب وكيم لإعادة إطلاق الدبلوماسية، تجد كوريا الجنوبية نفسها مطالبة بالموازنة بين الرغبة في خفض التوتر وبين الحفاظ على قوة الردع. أما المفاجأة التي تحدث عنها وزير الخارجية تشو، فتضيف بُعدًا آخر إلى الأزمة، لأنها تضع مسألة الثقة والتنسيق داخل التحالف في قلب النقاش حول مستقبل الأمن في شبه الجزيرة الكورية.










