موسكو – المنشر_الاخباري
لم تعد الطائرات المسيّرة الأوكرانية تطرق أبواب الجبهة فقط، بل باتت تصل إلى العمق الروسي وتضرب منشآت لوجستية وتجارية، في تطور دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إصدار توجيهات مباشرة للحكومة لإعادة بناء المواقع التي تضررت أو دُمرت خلال الأسابيع الماضية.
اللافت أن موسكو لم تتعامل مع الضربات باعتبارها مجرد أضرار محدودة، بل بدأت تتحدث عن إعادة بناء المنشآت بمستوى تكنولوجي جديد، في إشارة إلى أن روسيا تتوقع استمرار هذا النوع من الهجمات.
الهجمات تستهدف «شرايين» الاقتصاد
منذ 18 يوليو/تموز، تعرض ما لا يقل عن 24 مستودعاً تابعاً لشركة تجارة إلكترونية روسية كبرى لهجمات بطائرات مسيّرة، بحسب التقرير.
واندلعت انفجارات وحرائق في عدد من المواقع، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من قدراتها التخزينية.
ورغم أن بوتين لم يذكر اسم الشركة، فإنه تحدث بوضوح عن منشآت لوجستية تحتاج إلى تدخل الدولة لإعادة بنائها.
وهنا تكمن أهمية التطور: فالمستودعات ليست مجرد مبانٍ تجارية، بل تمثل نقاطاً أساسية في شبكات التخزين والتوزيع، وأي تعطيل واسع لها يمكن أن يفرض ضغطاً على حركة السلع والإمدادات داخل البلاد.
بوتين يعترف: الضربات تترك أثراً
في تصريحات متلفزة، قال بوتين إن الهجمات لم تتسبب في «عواقب حرجة»، لكنه أقر في الوقت نفسه بأنها تلحق أضراراً بالفعل.
وأكد أن الاقتصاد الروسي يواصل النمو بشكل معتدل رغم العقوبات الغربية والهجمات الأوكرانية على المنشآت الصناعية والبنية التحتية.
لكن قرار إطلاق برنامج لإعادة بناء المواقع المتضررة يكشف أن موسكو تتعامل مع المشكلة بجدية.
فالتحدي لا يتمثل في إصلاح منشأة واحدة، وإنما في كيفية حماية شبكة كاملة من المنشآت إذا أصبحت أهدافاً متكررة للطائرات المسيّرة.
أوكرانيا تغيّر قواعد الحرب
تقول كييف إن ضرباتها داخل روسيا تهدف إلى رفع تكلفة استمرار الحرب على موسكو.
وبدلاً من الاكتفاء باستهداف القوات الروسية على خطوط الجبهة، تتجه أوكرانيا إلى ضرب منشآت تقع في عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك مواقع صناعية ولوجستية.
هذه الاستراتيجية تضع الكرملين أمام معادلة صعبة:
كل ضربة تحتاج إلى دفاعات جديدة، وكل منشأة مدمرة تحتاج إلى إعادة بناء، وكل توسع في نطاق الهجمات يفرض على روسيا توزيع المزيد من الموارد لحماية العمق الداخلي.
إعادة البناء ليست الحل الوحيد
الأمر الأكثر أهمية في قرار بوتين هو تأكيده أن إعادة البناء يجب أن تتم على مستوى تكنولوجي جديد.
وهذا قد يعني أن موسكو لا تريد إعادة المنشآت إلى شكلها السابق، وإنما إعادة تصميمها بطريقة تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الهجمات المستقبلية.
وقد يدفع ذلك إلى توزيع مراكز التخزين، وتعزيز وسائل الحماية، وتقليل الاعتماد على المنشآت الكبيرة والمركزة التي يمكن أن تتحول إلى أهداف عالية القيمة.
حرب استنزاف داخل العمق الروسي
في الوقت الذي تحاول فيه روسيا الحفاظ على صورة اقتصاد قادر على الصمود، تواجه البلاد تحدياً جديداً يتمثل في وصول الحرب إلى منشآت اقتصادية بعيدة عن خطوط القتال.
وفي المقابل، تؤكد أوكرانيا أن مدنها وموانئها ومراكزها اللوجستية تتعرض لهجمات روسية واسعة.
وبذلك أصبحت الحرب معركة متبادلة على البنية التحتية، حيث يحاول كل طرف إضعاف قدرة الآخر على الاستمرار في تمويل وإدارة عملياته العسكرية.
أوروبا تزيد الضغط
ولا يأتي هذا التصعيد في فراغ.
فالاتحاد الأوروبي يستعد، بحسب التقرير، لفرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، في وقت تقول فيه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إن العقوبات المقبلة ستكون من بين الأكثر شمولاً.
وبالتالي، تواجه موسكو ضغطاً من اتجاهين: عقوبات اقتصادية من الخارج وهجمات بطائرات مسيّرة من الداخل.
السؤال الأخطر
قرار بوتين بإعادة بناء المستودعات قد يكون مجرد إجراء اقتصادي، لكنه يحمل رسالة استراتيجية أكبر:
روسيا تستعد لحرب طويلة لا تقتصر ساحتها على الجبهة.
ومع استمرار كييف في تطوير قدراتها بعيدة المدى، فإن العمق الروسي قد يصبح أكثر عرضة للهجمات، بينما ستضطر موسكو إلى استثمار المزيد من الموارد في حماية المدن والمنشآت وشبكات النقل والتخزين.
وهنا قد تتحول الطائرات المسيّرة من مجرد سلاح تكتيكي إلى أداة ضغط اقتصادي واستراتيجي قادرة على تغيير تكلفة الحرب نفسها.








