موسكو- المنشر_الاخباري
دخلت العلاقات بين روسيا وبريطانيا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما سحبت موسكو سفيرها لدى لندن دون تعيين بديل له، في خطوة تعكس عمق الخلاف المتصاعد بين البلدين على خلفية الدعم البريطاني العسكري والسياسي لأوكرانيا.
وغادر السفير الروسي أندريه كيلين منصبه في بريطانيا خلال يوليو الماضي، بعد نحو سبع سنوات قضاها ممثلاً لموسكو في لندن، فيما لم تعلن روسيا حتى الآن عن ترشيح سفير جديد لشغل المنصب. وتولى كيلين مهمته سفيراً لروسيا لدى المملكة المتحدة منذ نوفمبر 2019.
ورغم أن السفارة الروسية في لندن أكدت أن مغادرة كيلين لا تعني بالضرورة إعلان خفض رسمي لمستوى العلاقات الدبلوماسية، فإن إبقاء منصب السفير شاغراً ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره مؤشراً إضافياً على تدهور العلاقات بين موسكو ولندن، خصوصاً في ظل تراكم الخلافات السياسية والعسكرية بين الطرفين منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وقالت السفارة الروسية إن كيلين غادر منصبه على أمل إمكانية استعادة حوار أكثر بناءً واحتراماً في المستقبل، إذا أعادت الحكومة البريطانية النظر في سياساتها تجاه روسيا. وتزامن ذلك مع تحذيرات روسية متكررة من أن استمرار لندن في تقديم الدعم العسكري لكييف ستكون له تداعيات على العلاقات الثنائية.
موسكو تحذر لندن من “ثمن” متزايد
وتصاعدت حدة اللهجة الروسية في الأسابيع الأخيرة، بعد تقارير أفادت باستخدام طائرات مسيرة مصنعة في بريطانيا خلال هجمات أوكرانية بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
واتهمت السفارة الروسية في لندن بريطانيا بتوسيع مشاركتها في الصراع، محذرة من أن الإجراءات البريطانية ستؤدي حتماً إلى عواقب، وأن ارتفاع مستوى انخراط لندن في الحرب سيقابله، وفق الموقف الروسي، ارتفاع في “الثمن” الذي ستدفعه.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت كثفت فيه أوكرانيا استخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى لضرب أهداف داخل روسيا، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية العسكرية والاقتصادية. وتشير تقارير إلى أن نطاق هذه الهجمات اتسع بشكل كبير خلال العام الجاري.
وكانت موسكو قد اتهمت في وقت سابق الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، بتوفير الأسلحة والتكنولوجيا والدعم العسكري الذي يسمح لكييف بتنفيذ ضربات أعمق داخل الأراضي الروسية.
بريطانيا: دعم أوكرانيا مستمر
في المقابل، لم تُظهر الحكومة البريطانية أي مؤشرات على التراجع عن دعمها لأوكرانيا.
وأكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أن بلاده ستواصل دعم كييف “100 بالمئة”، مشدداً على أن بريطانيا ليست “صديقاً في الأوقات السهلة فقط”، في إشارة إلى استمرار وقوف لندن إلى جانب أوكرانيا رغم التهديدات الروسية.
وتؤكد بريطانيا أن دعمها لأوكرانيا يأتي في إطار مساعدة كييف على الدفاع عن نفسها في مواجهة الحرب الروسية، بينما ترى موسكو أن حجم الدعم الغربي المتزايد تجاوز حدود المساندة السياسية وأصبح جزءاً من المواجهة المباشرة معها.
وكانت لندن قد أعلنت التزامها بتزويد أوكرانيا بأعداد كبيرة من الطائرات المسيرة خلال عام 2026، ضمن حزمة دعم عسكري واسعة، في وقت أصبحت فيه المسيرات أحد أهم عناصر الحرب الحديثة بين روسيا وأوكرانيا.
هل تتجه العلاقات إلى خفض دبلوماسي أكبر؟
ورغم عدم وجود إعلان روسي رسمي عن قطع العلاقات أو خفض مستواها، فإن عدم تعيين بديل لكيلين يثير تساؤلات حول مستقبل التمثيل الدبلوماسي الروسي في بريطانيا.
وتأتي الخطوة في سياق علاقات وصلت بالفعل إلى مستويات متدنية للغاية منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022، مع تبادل العقوبات والاتهامات وتراجع الاتصالات السياسية والأمنية بين موسكو ولندن.
وتشير تقارير إلى أن منصب السفير الروسي في لندن أصبح أكثر حساسية في ظل غياب قنوات اتصال سياسية فعالة بين البلدين، فيما لا تزال بريطانيا تحتفظ بسفيرها في موسكو، ما يجعل الوضع الدبلوماسي بين الطرفين غير متوازن في الوقت الراهن.
المسيرات تشعل أزمة جديدة
وتبدو قضية الطائرات المسيرة البريطانية المستخدمة في الهجمات داخل روسيا أحد أبرز العوامل التي دفعت التوتر إلى مستويات جديدة.
فموسكو تعتبر أن تزويد أوكرانيا بأسلحة وتقنيات قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية يمثل تصعيداً نوعياً، بينما ترى لندن أن دعم القدرات الدفاعية والهجومية الأوكرانية جزء من استراتيجيتها لمساندة كييف.
وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع استمرار الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، ما يرفع المخاوف من انتقال الصراع إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً مع توسع نطاق الضربات الجوية واستخدام أسلحة بعيدة المدى.
وبينما تتمسك بريطانيا بموقفها الداعم لأوكرانيا، تحاول موسكو الضغط على لندن عبر التحذيرات الدبلوماسية والإجراءات السياسية، من دون أن يصل الأمر حتى الآن إلى قطع العلاقات رسمياً.
مرحلة جديدة من المواجهة
ويعكس سحب السفير الروسي دون تعيين خلف له عمق الأزمة بين موسكو ولندن، حتى لو لم تعتبره روسيا رسمياً خفضاً لمستوى العلاقات.
ومع استمرار الدعم البريطاني لأوكرانيا وتصاعد الهجمات داخل الأراضي الروسية، تبدو فرص تحسن العلاقات بين البلدين في المدى القريب محدودة، بينما قد تصبح القنوات الدبلوماسية أكثر أهمية مع اتساع نطاق الحرب.
وتبقى الرسالة الروسية واضحة: موسكو تربط مستوى انخراط بريطانيا في دعم أوكرانيا بحجم الرد المحتمل، في حين تؤكد لندن أنها لن تتراجع عن مساندة كييف. وبين الموقفين، يستمر التدهور في العلاقات الروسية البريطانية، مع بقاء منصب السفير الروسي في لندن شاغراً وارتفاع حدة التحذيرات المتبادلة.










