موسكو- المنشر_الاخباري
تجري السلطات الروسية تدريبات واختبارات استعداد للتعبئة العسكرية في مناطق مختلفة من البلاد، في تحرك لافت يعيد إلى الواجهة احتمال استدعاء موجة جديدة من الرجال للخدمة العسكرية، رغم عدم صدور أي قرار رسمي من الكرملين حتى الآن.
وبحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن التدريبات تركز على اختبار قدرة السلطات الروسية على التعامل مع تدفق كبير من المجندين في حال صدور قرار بالتعبئة، بما يشمل تأمين أماكن الإقامة والطعام والتجهيزات والأسلحة وتنظيم عمليات الاستدعاء والنقل. وأكدت مصادر غربية للصحيفة أن هذه الاختبارات لا تعني أن قرار التعبئة قد اتُخذ بالفعل، لكنها تشير إلى أن موسكو تريد أن تكون جاهزة في حال قررت القيادة الروسية المضي في هذه الخطوة.
كالينينغراد في قلب الاختبارات
ومن أبرز التحركات التي رصدها التقرير، إجراء تمرين في منطقة كالينينغراد خلال يوليو، حيث انتقل ضباط عسكريون روس من سان بطرسبورغ للإشراف على خطط وإجراءات تعبئة سكان المنطقة.
وتكتسب كالينينغراد أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي الحساس، فهي منطقة روسية منفصلة عن باقي الأراضي الروسية وتقع بين بولندا وليتوانيا، العضوين في حلف شمال الأطلسي.
ولم تكن التدريبات مقتصرة على كالينينغراد، إذ تحدثت المصادر عن اختبارات مماثلة في مناطق أخرى من روسيا، بهدف التأكد من قدرة الأجهزة المحلية والعسكرية على تنفيذ عملية تعبئة واسعة إذا صدر القرار السياسي.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه أهمية كالينينغراد بالنسبة إلى الحسابات العسكرية الروسية والغربية، بسبب موقعها على بحر البلطيق وقربها من أراضي دول الناتو.
هل تستعد موسكو لما بعد انتخابات سبتمبر؟
ورغم عدم وجود قرار معلن بالتعبئة، تتركز التكهنات حول الفترة التي تلي الانتخابات البرلمانية الروسية المقررة في سبتمبر.
وتشير تقديرات وتقارير متعددة إلى أن القيادة الروسية قد تفضل الانتظار حتى انتهاء الانتخابات قبل اتخاذ خطوة سياسية حساسة كتعبئة أعداد إضافية من السكان، خصوصاً أن تجربة عام 2022 تركت آثاراً واضحة داخل المجتمع الروسي.
وتقول دراسة حديثة لمركز شئون روسيا Russia Matters إن عدداً من المسؤولين والمحللين الأوكرانيين والغربيين يرجحون احتمال اتخاذ قرار بعد انتخابات مجلس الدوما المقررة بين 18 و20 سبتمبر، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن المسؤولين الروس ينفون وجود خطة وشيكة لتعبئة جديدة.
وبحسب تقرير وول ستريت جورنال، فإن الانتخابات قد تكون عاملاً مهماً في توقيت أي قرار، بينما يظل الخيار النهائي بيد الكرملين.
تجربة 2022 تلاحق موسكو
تسعى السلطات الروسية، على ما يبدو، إلى تجنب الفوضى التي رافقت التعبئة الجزئية التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين في سبتمبر 2022.
فقد أدت تلك الخطوة إلى حالة من الارتباك، وغادر مئات الآلاف من الروس البلاد، بينما شهدت بعض المعابر الحدودية ازدحاماً كبيراً، وارتفع الطلب على تذاكر السفر إلى الدول المجاورة.
أما اليوم، فقد أصبح لدى روسيا نظام إلكتروني أكثر تطوراً لتسجيل الرجال المؤهلين للخدمة العسكرية، ما يمنح السلطات إمكانية إدارة عملية الاستدعاء بصورة مختلفة عن تجربة 2022.
وتشير المعلومات التي أوردتها وول ستريت جورنال إلى أن قاعدة البيانات الجديدة تشمل الرجال في سن الخدمة، ويمكن استخدامها لإرسال إشعارات واستدعاءات على مراحل، ما يسمح للسلطات بتنفيذ تعبئة تدريجية بدلاً من الإعلان المفاجئ عن استدعاء جماعي.
تعبئة تدريجية بدلاً من الصدمة
ويعد هذا التطور من أهم العوامل التي قد تغير شكل أي تعبئة روسية مستقبلية.
فبدلاً من استدعاء مئات الآلاف خلال فترة قصيرة، يمكن للسلطات اختيار مجموعات أصغر وإدخالها تدريجياً إلى النظام العسكري، الأمر الذي قد يقلل من حالة الذعر التي شهدتها روسيا عام 2022.
كما أن السلطات الروسية كثفت خلال الفترة الماضية جهود التجنيد الطوعي، في محاولة لتجنب اللجوء إلى تعبئة رسمية واسعة.
لكن تقارير صحفية أشارت إلى أن التجنيد الطوعي يواجه صعوبات متزايدة، في الوقت الذي تحاول فيه موسكو الحفاظ على أعداد قواتها وتعويض الخسائر في الحرب.
وكانت وول ستريت جورنال قد ذكرت في تقرير سابق أن السلطات الروسية أصبحت تستخدم أساليب ضغط متزايدة لدفع رجال في سن الخدمة إلى الالتحاق بالجيش، وسط تباطؤ نسبي في التجنيد الطوعي.
لماذا تحتاج روسيا إلى مزيد من القوات؟
يرتبط احتمال التعبئة الجديدة بشكل مباشر بتطورات الحرب في أوكرانيا.
وتواصل القوات الروسية عملياتها بهدف السيطرة على ما تبقى من منطقة دونباس، بينما تواجه موسكو في المقابل خسائر بشرية كبيرة وضغوطاً متزايدة للحفاظ على زخم العمليات.
وبحسب تقييمات نقلتها وول ستريت جورنال، فإن معدلات التجنيد الحالية قد لا تكون كافية لتعويض الخسائر والحفاظ على مستويات القوات المطلوبة لتحقيق الأهداف الروسية على الجبهة.
كما أدت الهجمات الأوكرانية المتزايدة بالطائرات المسيرة بعيدة المدى إلى الضغط على القوات والمنشآت الروسية، ما يزيد أهمية توفير قوات إضافية للدفاع عن المناطق والمنشآت الاستراتيجية.
وفي المقابل، يرى محللون أن مجرد زيادة عدد الجنود لا تضمن تغييراً حاسماً في مسار الحرب، إذ تحتاج القوات الجديدة إلى التدريب والتجهيز والقيادة قبل أن تصبح قادرة على تحقيق تأثير فعلي في ساحة المعركة.
كييف تتحدث عن أرقام أكبر
وفي تطور منفصل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف تعتقد أن موسكو قد تسعى إلى استدعاء نحو 300 ألف جندي إضافي بعد الانتخابات البرلمانية الروسية، مع احتمال أن يكون الهدف على المدى الأبعد الوصول إلى قوة تعبئة أكبر خلال عام 2027.
لكن هذه الأرقام تمثل تقديرات أوكرانية وليست قراراً روسياً معلناً، ولذلك لا يمكن اعتبارها تأكيداً على أن الكرملين سيصدر بالفعل أمراً بهذا الحجم.
تكلفة اقتصادية وسياسية ضخمة
ولا تقتصر مخاطر التعبئة الجديدة على الجانب العسكري، إذ ستكون لها تبعات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
فاستدعاء أعداد كبيرة من الرجال يعني سحب جزء من القوى العاملة من الاقتصاد الروسي، في وقت تواجه فيه البلاد بالفعل نقصاً في العمالة وارتفاعاً في تكاليف الحرب.
كما سيتعين على الدولة توفير الرواتب والسكن والطعام والتدريب والأسلحة والمعدات للمجندين الجدد، وهو ما قد يزيد الضغط على الميزانية الروسية.
ويرى محللون أن التعبئة ستكون بمثابة رهان جديد من جانب موسكو: تعزيز القوة البشرية على الجبهة مقابل تحمل تكلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية مرتفعة.
قرار لم يُتخذ بعد
ورغم كل هذه المؤشرات، لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي من الكرملين عن تعبئة جديدة.
وتؤكد المصادر أن التدريبات الحالية قد تكون مجرد إجراءات احترازية لضمان جاهزية الدولة في حال تغيرت احتياجات الجيش أو تطورت الحرب، وليس بالضرورة دليلاً على أن القرار قد اتُخذ.
لكن توقيت التدريبات، وخصوصاً مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، إلى جانب تطوير قاعدة البيانات العسكرية الإلكترونية واستمرار الضغوط على التجنيد، يجعل احتمال عودة ملف التعبئة إلى الواجهة أمراً يستحق المتابعة.
وفي حال قررت موسكو المضي في تعبئة جديدة، فمن المرجح أن تكون أكثر تنظيماً وتدرجاً من تجربة 2022، مستفيدة من النظام الإلكتروني الجديد لتحديد الأشخاص واستدعائهم على مراحل.
وبذلك، لا تبدو روسيا وكأنها أعلنت بالفعل عن تعبئة ثانية، لكنها تعمل على اختبار قدرتها على تنفيذها. ويبقى السؤال الأبرز: هل ستظل هذه الإجراءات مجرد خطط احتياطية، أم تتحول بعد انتخابات سبتمبر إلى قرار روسي جديد قد يغير حجم القوات المشاركة في الحرب الأوكرانية؟










