الدوحة – المنشر_الاخباري
خفضت قطر موازنات عدد من الجهات الحكومية بما يصل إلى 30 بالمئة خلال العام الجاري، في وقت تواجه فيه الدولة الخليجية تراجعاً حاداً في إنتاج وصادرات الغاز الطبيعي المسال، على خلفية الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة واضطراب حركة الملاحة في الخليج.
وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن السلطات القطرية خفضت أيضاً الإنفاق على المساعدات الخارجية بنحو 85 بالمئة خلال عام 2026، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد القطري نتيجة تراجع إيرادات الغاز، الذي يشكل المصدر الرئيسي للدخل وعائدات التصدير في البلاد.
وتبلغ موازنة قطر لعام 2026 نحو 61 مليار دولار، فيما لم يتضح حتى الآن الحجم النهائي للتخفيضات التي ستطال إجمالي الإنفاق الحكومي، وسط تحذيرات من إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية إذا استمرت الأزمة خلال الأشهر المقبلة.
ضربة قوية لقطاع الغاز
وتأتي التخفيضات في وقت تعرضت فيه منشآت الغاز القطرية، ولا سيما مجمع رأس لفان، لأضرار كبيرة خلال الهجمات التي وقعت في سياق الحرب الإقليمية.
ويعد رأس لفان من أهم مراكز إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر، ولذلك شكلت الأضرار التي لحقت به ضربة مباشرة لقطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد القطري.
وقالت شركة قطر للطاقة إن الهجمات أدت إلى خفض قدرة البلاد على تصدير الغاز الطبيعي المسال بنحو 17 بالمئة، فيما قدرت أن إصلاح الأضرار قد يستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات. كما أشارت الشركة إلى أن الخسائر السنوية في الإيرادات قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار.
ومع استمرار الأزمة، اضطرت قطر إلى التعامل مع انخفاض كبير في تدفقات الإيرادات، الأمر الذي دفع الحكومة إلى إعادة تقييم الإنفاق العام وترتيب أولوياتها المالية.
مضيق هرمز يضاعف الأزمة
ولا تقتصر الضغوط على الأضرار التي لحقت بمنشآت الإنتاج، إذ تواجه صادرات الطاقة القطرية تحدياً إضافياً بسبب اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعد المضيق ممراً رئيسياً لصادرات الطاقة من الخليج، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يعرقل وصول الغاز القطري إلى الأسواق العالمية.
وتعتمد قطر بصورة كبيرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن الجمع بين انخفاض القدرة الإنتاجية وصعوبة نقل الشحنات يفرض ضغوطاً مزدوجة على الاقتصاد، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبل إمدادات الطاقة العالمية.
خفض المساعدات الخارجية
ومن أبرز مظاهر إعادة ترتيب الإنفاق القطري خفض المساعدات الخارجية بنحو 85 بالمئة خلال عام 2026.
وتأتي الخطوة بعد سنوات لعبت خلالها الدوحة دوراً بارزاً في تمويل برامج ومبادرات إنسانية دولية.
وبحسب التقرير، قدمت قطر العام الماضي نحو 1.5 مليار دولار لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ما جعلها واحدة من أكبر الجهات المانحة للمكتب. وبالتالي فإن خفض هذا الإنفاق بصورة كبيرة قد يترك أثراً على عدد من البرامج الإنسانية الدولية.
هل تتجه قطر إلى مزيد من التخفيضات؟
رغم الإجراءات الحالية، لا تشير المعطيات إلى أن قطر تعاني نقصاً فورياً في السيولة، إذ تمتلك الدولة احتياطيات وأصولاً مالية ضخمة يمكن أن تساعدها على امتصاص الصدمة.
ويمتلك جهاز قطر للاستثمار أصولاً تقدر بنحو 500 مليار دولار، وهو ما يمنح الدوحة قدرة كبيرة على دعم الاقتصاد والحفاظ على السيولة خلال فترات تراجع الإيرادات.
لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يفرض خيارات أكثر صعوبة.
ونقلت «فايننشال تايمز» عن مصادر مطلعة أن السلطات القطرية تدرس تخفيضات إضافية في الإنفاق إذا استمرت الأزمة خلال الربع الأخير من العام، في ظل اتساع الفجوة التي خلفها تراجع إيرادات الطاقة.
تأثير يتجاوز الاقتصاد القطري
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود قطر، نظراً إلى الدور الذي تلعبه الدولة في سوق الغاز الطبيعي المسال.
فقطر تعد من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال في العالم، وأي انخفاض طويل الأمد في صادراتها يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
كما أن اضطراب الملاحة في الخليج يزيد حالة عدم اليقين بالنسبة إلى شركات الطاقة والمشترين العالميين، في وقت تحاول فيه الدول المستوردة تأمين بدائل للإمدادات المتضررة.
وقد قدرت «فايننشال تايمز» أن خسائر عائدات صادرات الطاقة بالنسبة إلى قطر والكويت تراوحت بين 1.5 و2 مليار دولار أسبوعياً، ما يعكس الحجم الكبير للتأثير الاقتصادي للأزمة على دول الخليج.
خطط الغاز لم تتوقف
ورغم الضغوط الحالية، لم تتخل قطر عن خططها طويلة الأمد لتوسيع إنتاج الغاز.
وكانت الدوحة تستعد للاستفادة من توسعة حقل الشمال، في مشروع تبلغ قيمته نحو 30 مليار دولار، بهدف رفع القدرة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال إلى مستويات قياسية خلال السنوات المقبلة.
وتقول المصادر إن قطر تواصل العمل على خطط التوسع، استعداداً لاستعادة قدرتها على تصدير كميات أكبر من الغاز في حال انتهت الحرب وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها.
كما ساعد مشروع «غولدن باس» في الولايات المتحدة، الذي تشارك فيه قطر مع شركة إكسون موبيل، في تعويض جزء من خسائر الإمدادات القطرية، بعدما بدأ المشروع تصدير الغاز الطبيعي المسال خلال العام الجاري.
اختبار اقتصادي غير مسبوق
وتجد الدوحة نفسها أمام اختبار اقتصادي معقد: الحفاظ على الاستقرار المالي وتمويل الخدمات والمشروعات الكبرى، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات التي تعتمد عليها الدولة بصورة أساسية.
وتوفر الاحتياطيات المالية الكبيرة لقطر هامشاً واسعاً للتحرك، إلا أن استمرار الحرب واضطراب صادرات الغاز لسنوات قد يفرض إعادة نظر أوسع في الإنفاق الحكومي والاستثمارات الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يبقى مستقبل الاقتصاد القطري مرتبطاً بصورة وثيقة بعودة إنتاج الغاز إلى مستوياته السابقة واستقرار خطوط الشحن في الخليج.
وبينما تراهن الدوحة على قدرتها المالية لتجاوز المرحلة الحالية، فإن خفض موازنات الجهات الحكومية وتقليص المساعدات الخارجية يمثلان مؤشراً واضحاً على أن تداعيات أزمة الطاقة بدأت تنتقل من قطاع الغاز إلى السياسة المالية للدولة.
ويبقى السؤال المطروح هو: هل تنجح قطر في امتصاص الصدمة باستخدام احتياطياتها الضخمة، أم أن استمرار اضطرابات الغاز والملاحة سيدفعها إلى مزيد من خفض الإنفاق خلال الفترة المقبلة؟










