نيويورك- المنشر_الاخباري
حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التداعيات المتزايدة لاضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مؤكداً أن استمرار الهجمات وتعطل طرق الشحن لا يهدد تجارة الطاقة فقط، بل بات ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي العالمي، وأسعار السلع الأساسية، وقدرة الدول على الحصول على الأسمدة والمواد اللازمة للإنتاج الزراعي.
وقال غوتيريش، خلال كلمة أمام الأمم المتحدة حول أهمية حرية الملاحة، إن النزاعات المتزامنة في مناطق مختلفة من العالم بدأت تتقاطع آثارها الاقتصادية والإنسانية، مشيراً إلى أن الفئات الأكثر فقراً وضعفاً هي التي تدفع الثمن الأكبر عندما تتعرض طرق التجارة الدولية للاضطراب.
وأوضح أن الهجمات وتعطيل حركة السفن في مضيق هرمز والبحر الأحمر يؤثران على تدفق الطاقة والأسمدة والمواد الخام والسلع الأساسية، في وقت تشكل فيه هذه الممرات البحرية شرايين رئيسية للتجارة العالمية.
وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن تداعيات الحرب في أوكرانيا تضيف بدورها ضغوطاً على طرق الشحن الحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بتجارة النفط والحبوب والمنتجات الزراعية.
وبحسب غوتيريش، فإن تزامن هذه الأزمات أدى إلى زيادة الضغوط على النظام الغذائي العالمي، مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس في النهاية على أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية.
وقال إن حركة العبور في مضيق هرمز أصبحت شبه متوقفة، في حين ارتفعت أسعار النفط بنحو 33% منذ بدء النزاع، بينما قفزت أسعار الشحن العالمي للحاويات بنحو 84% مقارنة بالعام الماضي، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والمدخلات الزراعية الأساسية.
تحذير من أزمة غذاء أوسع
وحذر غوتيريش من أن استمرار اضطراب طرق التجارة قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز قطاع النقل والطاقة، إذ إن ارتفاع تكلفة الأسمدة والمدخلات الزراعية يمكن أن ينعكس على الإنتاج الزراعي في العديد من الدول.
ومع ارتفاع تكلفة نقل السلع، قد تجد الدول المستوردة نفسها أمام فواتير أكبر للحصول على الغذاء والطاقة، بينما تواجه الاقتصادات الضعيفة صعوبة أكبر في تحمل هذه الزيادات.
وأكد أن اضطراب الملاحة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج الزراعي وزيادة الجوع، خصوصاً في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والطاقة.
وشدد غوتيريش على أن حرية الملاحة ليست مجرد مبدأ نظري، بل جزء أساسي من القانون الدولي وعنصر ضروري للحفاظ على الاستقرار والسلم والأمن الدوليين.
كما دعا إلى حماية السفن والمنشآت المدنية والعاملين في قطاع الملاحة، مؤكداً ضرورة ألا تتحول الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للضغط السياسي أو الاقتصادي.
وقال إن الغذاء العالمي يجب ألا يصبح “ضحية جانبية” للنزاعات المسلحة والصراعات الجيوسياسية.
تحرك أممي في مضيق هرمز
وفي محاولة للتعامل مع التداعيات الإنسانية للأزمة، كشف غوتيريش أن الأمم المتحدة أنشأت في مارس/آذار فريق عمل مخصصاً لدراسة آليات عملية يمكن أن تساعد في تلبية الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح أن الفريق عمل على تطوير آلية لبناء الثقة، تركز في مرحلتها الأولى على الأسمدة والمواد الخام المرتبطة بها، مع إمكانية توسيع نطاقها لاحقاً لتشمل منتجات أساسية أخرى.
وأكد غوتيريش أن الآلية المقترحة لا تمنح أي طرف تصريحاً خاصاً للعبور عبر المضيق، كما أنها لا تغير الحقوق أو الالتزامات القانونية للدول بموجب القانون الدولي.
وبدلاً من ذلك، تهدف الأمم المتحدة إلى لعب دور الوسيط المحايد لتقليل المخاطر الفورية، ومساعدة السفن على التحرك بصورة أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ، بما يمكن أن يساهم في بناء الثقة وتهيئة الظروف أمام المسار الدبلوماسي.
وأوضح أن الآلية تتضمن إجراءات للتحقق والمراقبة ومنع التضارب، بما يسمح بتسهيل حركة المنتجات المشمولة بها وتقليل احتمالات تعرضها للعوائق.
نجاح الآلية مرتبط بموافقة الأطراف
وأشار الأمين العام إلى أن الآلية الأممية يمكن تفعيلها بسرعة، لكن نجاحها يعتمد بصورة أساسية على وجود إرادة سياسية وتعاون من جميع الأطراف المعنية بالنزاع.
ورداً على أسئلة بشأن إمكانية تطبيقها، أوضح غوتيريش أن الأمم المتحدة لا تستطيع فرض الآلية من جانب واحد، وأن تفعيلها يتطلب موافقة الدول المنخرطة في النزاع على المشاركة فيها.
وشدد في الوقت نفسه على أن المبادرة الأممية لا يمكن أن تكون بديلاً عن العودة الكاملة إلى حرية الملاحة، ولا عن الحلول السياسية التي تعالج جذور النزاعات وتضع حداً للتوترات التي تهدد طرق التجارة العالمية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت أصبحت فيه الممرات البحرية في الشرق الأوسط جزءاً رئيسياً من الحسابات الاقتصادية والأمنية العالمية، نظراً للدور الذي تلعبه في نقل النفط والغاز والمواد الخام والسلع الغذائية بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
ويرى مراقبون أن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز والبحر الأحمر قد يرفع كلفة التجارة العالمية ويزيد الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة وأصبحت شركات الشحن مجبرة على تغيير مساراتها أو تحمل تكاليف تأمين ونقل أعلى.
وبذلك، تحاول الأمم المتحدة التعامل مع الأزمة من زاوية إنسانية واقتصادية، محذرة من أن استمرار الصراع حول الممرات البحرية لن يبقى محصوراً في أطرافه المباشرة، بل قد تمتد آثاره إلى الأسواق العالمية والمستهلكين والمزارعين، وصولاً إلى الأمن الغذائي لملايين الأشخاص حول العالم.










