اديس – المنشر_الاخباري
تتحرك الأزمة السودانية نحو مسار سياسي جديد من خارج مناطق سيطرة طرفي الحرب، مع بروز «مسار أديس أبابا» كمحاولة لإعادة المدنيين إلى قلب عملية التسوية، بعيداً عن هيمنة الجيش وقوات الدعم السريع.
الاجتماع المدني الذي عُقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس/آب انتهى إلى ورقة مشتركة حملت عنوان «عملية السلام التي نريدها»، في خطوة تعكس رفض قطاعات مدنية واسعة أن تكون أي مفاوضات مستقبلية خاضعة لنفوذ القوى العسكرية.
أديس أبابا تنافس مسار العسكريين
الرسالة الأبرز التي خرجت من الاجتماع هي الفصل بين إنهاء الحرب وتحديد مستقبل السودان السياسي.
وبحسب التصور المطروح، يتولى الجيش وقوات الدعم السريع التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات وصول المساعدات الإنسانية، بينما يتولى المدنيون التفاوض بشأن شكل الدولة المقبلة، والعدالة، والمواطنة، ومستقبل الحكم والسيطرة المدنية على القوات المسلحة.
ويستهدف هذا الطرح منع تكرار تجربة ما بعد سقوط عمر البشير، عندما احتفظ الجيش والدعم السريع بقوتهما المستقلة وتحولا تدريجياً إلى طرفين رئيسيين في إدارة المشهد السياسي، قبل أن ينفجر الخلاف بينهما في حرب أبريل/نيسان 2023.
رفض حوار تحت سيطرة الجيش
الاجتماعات المدنية في أديس أبابا رفضت مقترح الحوار الذي طرحه عبد الفتاح البرهان، بحجة أن عقد مفاوضات داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش قد يمنحه نفوذاً على المشاركين وعلى آلية إدارة الحوار وتنفيذ نتائجه.
ويخشى أصحاب هذا الطرح من أن تتحول أي تسوية سياسية تفرضها موازين القوة العسكرية إلى إعادة إنتاج للنظام السياسي الذي أعقب انقلاب 2021، مع احتمال عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية إلى دائرة النفوذ.
واشنطن تدخل على خط السلاح
وفي تطور متزامن، ناقش مجلس الأمن الدولي في 24 أغسطس مقترحاً أمريكياً لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل عموم السودان، مع إضافة الطائرات المسيّرة والتقنيات والأنظمة المرتبطة بها إلى القيود.
وتراهن واشنطن على أن تقليص تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية يمكن أن يحد من قدرة طرفي الصراع على مواصلة العمليات وتحقيق مكاسب جديدة على الأرض.
لكن المقترح يواجه اعتراضات، خصوصاً من السودان وروسيا والصين، وسط جدل حول وضع الجيش السوداني باعتباره القوات المسلحة الرسمية للدولة.
المعركة الحقيقية قد تبدأ بعد وقف النار
المفارقة أن إنهاء القتال قد لا يعني نهاية الصراع.
فالسؤال الأصعب سيكون: من يحكم السودان بعد توقف البنادق؟
فالجيش يمتلك مؤسسات الدولة وموقعه الرسمي، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة وتملك قوة عسكرية وشبكات نفوذ خاصة بها. ومن ثم فإن منح أي طرف وزناً سياسياً يتناسب مع قوته العسكرية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها.
ولهذا يحاول مسار أديس أبابا الدفع باتجاه معادلة مختلفة: العسكريون يوقفون الحرب، والمدنيون يحددون شكل الدولة.
إثيوبيا تراقب من موقع حساس
استضافة أديس أبابا لهذه المشاورات تمنح إثيوبيا دوراً مهماً في الأزمة السودانية، خصوصاً أن المفاوضات تجري خارج مناطق سيطرة الجيش أو الدعم السريع، ما يقلل قدرة أي طرف على فرض شروطه على المشاركين.
كما أن استمرار الحرب يحمل مخاطر مباشرة على إثيوبيا، من بينها موجات نزوح جديدة، وانتقال السلاح عبر الحدود، واتساع مساحة التدخلات الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية الدور الإثيوبي مع وجود صلات بين مسار أديس أبابا ومؤسسات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي وإيغاد.
الطريق لا يزال طويلاً
ورغم الزخم السياسي، لا تزال القوى المدنية السودانية نفسها تعاني الانقسام، ولا يوجد حتى الآن جسم مدني واحد يمكن اعتباره ممثلاً شاملاً للسودانيين.
لكن اجتماع أديس أبابا يبعث برسالة سياسية واضحة: الحل الذي يوقف الحرب لا ينبغي أن يمنح أياً من طرفيها حق احتكار مستقبل السودان.
وبينما تتواصل المعركة على الأرض بين الجيش والدعم السريع، بدأت معركة أخرى تتشكل خلف الكواليس: من سيكتب دستور السودان السياسي بعد انتهاء الحرب؟
وهنا قد تتحول أديس أبابا من مجرد منصة للمشاورات إلى إحدى أهم ساحات الصراع السياسي على مستقبل السودان.










