طهران – المنشر_الاخباري
في تصعيد جديد للخطاب الدبلوماسي حول الملف النووي في الشرق الأوسط، وجهت إيران انتقادات حادة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرة أن استمرار امتلاك إسرائيل لترسانة نووية خارج إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يمثل تهديداً مباشراً لمصداقية النظام الدولي لنزع السلاح ومنع الانتشار.
وجاء الموقف الإيراني خلال اجتماعات منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في فيينا، حيث دعت البعثة الإيرانية لدى المنظمات الدولية إلى التعامل مع الترسانة النووية الإسرائيلية باعتبارها جزءاً أساسياً من أي نقاش جاد حول مستقبل الأمن النووي في منطقة الشرق الأوسط.
وقالت طهران إن إسرائيل ترفض منذ عقود الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، كما لم تصادق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)، الأمر الذي يجعل منشآتها النووية خارج منظومة الضمانات والتفتيش الدولية التي تخضع لها الدول الموقعة على المعاهدات ذات الصلة.
وبحسب التقديرات المتداولة دولياً، يُعتقد أن إسرائيل تمتلك مئات الرؤوس النووية، رغم أن الحكومة الإسرائيلية تتبع منذ سنوات سياسة الغموض النووي ولا تعلن رسمياً امتلاكها أسلحة نووية.
وترى إيران أن هذه السياسة تخلق ما تصفه بازدواجية في المعايير داخل النظام الدولي؛ إذ تتعرض دول في المنطقة لضغوط سياسية واقتصادية واسعة بسبب برامجها النووية، بينما تبقى الترسانة الإسرائيلية خارج نظام الرقابة الدولية المباشرة.
طهران: لا يمكن بناء نظام نووي عادل باستثناء إسرائيل
ركز البيان الإيراني على أن تعزيز نظام عدم الانتشار لا يمكن أن يتم بصورة انتقائية، مشيراً إلى أن أي منظومة دولية فعالة يجب أن تطبق القواعد نفسها على جميع دول المنطقة.
وأكدت طهران أن إيران دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن منشآتها النووية تخضع من حيث المبدأ لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي المقابل، قالت إن إسرائيل لا تسمح بإخضاع منشآتها النووية لنظام مماثل، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يمثل عقبة أمام أي مشروع مستقبلي لإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التوترات العسكرية والسياسية المتزايدة في المنطقة، حيث أصبح الملف النووي الإيراني والإسرائيلي واحداً من أكثر الملفات حساسية في الصراع بين القوى الإقليمية والدولية.
انتقادات إيرانية لواشنطن
لم تقتصر الانتقادات الإيرانية على إسرائيل، بل امتدت أيضاً إلى الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بالحديث عن إمكانية استئناف أو التحضير لتجارب نووية أمريكية.
واعتبرت البعثة الإيرانية أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستكون ذات تأثير خطير على النظام الدولي، خصوصاً أن الولايات المتحدة تمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم.
وقالت طهران إن المجتمع الدولي لا ينبغي أن ينتظر وقوع انفجار نووي فعلي حتى يتحرك، معتبرة أن مجرد إصدار توجيهات أو أوامر للتحضير لمثل هذه الاختبارات يمثل تطوراً يجب التعامل معه بجدية.
وترى إيران أن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ليست مجرد وثيقة لمنع إجراء التجارب، بل جزء أساسي من منظومة دولية أوسع تهدف في النهاية إلى الحد من سباق التسلح النووي والوصول إلى نزع السلاح.
الملف الإيراني في قلب المواجهة
ويأتي التصعيد الدبلوماسي الإيراني في وقت لا يزال فيه الملف النووي الإيراني محوراً رئيسياً للخلاف بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
وتؤكد إيران باستمرار أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وتقول إن أنشطتها تهدف إلى إنتاج الطاقة والبحث العلمي والاستخدامات الطبية والصناعية.
في المقابل، تشكك الولايات المتحدة وإسرائيل في نوايا البرنامج الإيراني، وتعتبران أن بعض القدرات النووية الإيرانية يمكن أن توفر أساساً لتطوير سلاح نووي مستقبلاً إذا اتخذت طهران قراراً بذلك.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الخلاف تعقيداً: إيران تستند إلى عضويتها في معاهدة عدم الانتشار لتأكيد حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بينما يركز خصومها على مستوى قدراتها التقنية وإمكانية استخدامها عسكرياً في المستقبل.
لماذا تعود إسرائيل إلى واجهة الملف النووي؟
يرى الجانب الإيراني أن التركيز الدولي على البرنامج النووي الإيراني يجب أن يترافق مع نقاش موازٍ حول الترسانة الإسرائيلية.
وتقول طهران إن تجاهل إسرائيل في أي ترتيبات نووية إقليمية سيجعل من الصعب إنشاء نظام أمني مستقر في الشرق الأوسط.
كما تربط إيران بين القضية النووية وبين فكرة إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وهي فكرة طُرحت مراراً داخل الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى واقع عملي.
وتعتبر إسرائيل أن بيئتها الأمنية الإقليمية تفرض عليها الحفاظ على قدرات ردع استراتيجية، بينما ترى إيران أن وجود هذه القدرات خارج الرقابة الدولية يشجع دولاً أخرى على البحث عن وسائل ردع مماثلة.
وهكذا يتحول الملف النووي من قضية تقنية إلى جزء من صراع أوسع على ميزان القوى في الشرق الأوسط.
تحذير من سباق تسلح جديد
المخاوف الإيرانية لا تتعلق فقط بإسرائيل أو إيران، بل باحتمال أن يؤدي استمرار التوتر إلى دفع دول أخرى في المنطقة نحو تطوير قدرات نووية متقدمة.
فإذا شعرت بعض الدول بأن امتلاك قوة نووية هو الوسيلة الوحيدة لضمان أمنها، فقد يبدأ سباق تسلح جديد يصعب احتواؤه عبر الاتفاقيات التقليدية.
ومن هنا تحاول طهران تقديم القضية باعتبارها اختباراً لمصداقية النظام الدولي بأكمله، وليس مجرد خلاف ثنائي بين إيران وإسرائيل.
وفي المقابل، فإن خصوم إيران يرون أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني هو التحدي الأكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل امتلاك طهران قاعدة صناعية وعلمية متقدمة في المجال النووي.
الشرق الأوسط أمام معادلة شديدة الحساسية
الرسالة الإيرانية في فيينا تعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة النقاش النووي في المنطقة.
فبدلاً من أن يتركز الحوار الدولي على إيران وحدها، تريد طهران وضع الترسانة النووية الإسرائيلية والسياسة النووية الأمريكية في قلب النقاش.
لكن تحقيق ذلك يواجه عقبات سياسية كبيرة، في مقدمتها رفض إسرائيل التخلي عن سياسة الغموض النووي، إلى جانب استمرار الخلافات العميقة بين إيران والولايات المتحدة حول البرنامج النووي والأمن الإقليمي.
وبينما تدعو إيران إلى تطبيق القواعد الدولية على جميع الأطراف، ترى إسرائيل والولايات المتحدة أن المخاطر المرتبطة بالبرنامج الإيراني تختلف عن طبيعة الترسانة الإسرائيلية القائمة منذ عقود.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع المجتمع الدولي صياغة نظام نووي موحد للشرق الأوسط، أم ستظل المنطقة عالقة بين ترسانات معلنة وأخرى غير معلنة وبرامج نووية متقدمة وصراعات أمنية لا تنتهي؟
بالنسبة لطهران، الإجابة واضحة: لا يمكن الحديث عن منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط بينما تبقى إسرائيل خارج معاهدة عدم الانتشار وخارج نظام التفتيش الدولي.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن التحدي الحقيقي سيكون إيجاد صيغة توازن بين منع انتشار الأسلحة النووية، وضمان حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ومعالجة مسألة الترسانة الإسرائيلية دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار ما تبقى من منظومة الأمن النووي العالمية.











