موسكو- المنشر_الاخباري
تتزايد المخاوف من دخول الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أكثر عنفاً، بعد معلومات نقلتها بلومبرغ عن ثلاثة أشخاص مقربين من الكرملين تفيد بأن موسكو تدرس تكثيف هجماتها على أوكرانيا، وسط قناعة داخل دوائر روسية بأن مفاوضات السلام وصلت إلى طريق مسدود.
وبحسب المعلومات، فإن الخيارات التي يجري بحثها تشمل زيادة الضربات بالصواريخ الباليستية التقليدية على كييف، وربما استهداف مناطق في وسط العاصمة، إلى جانب توسيع نطاق الضربات ضد منشآت وبنية تحتية في مدن أوكرانية أخرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت تبدو فيه المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب متعثرة، بينما يستمر الطرفان في محاولة تحسين مواقعهما العسكرية قبل أي تسوية محتملة.
من التفاوض إلى الضغط العسكري
إذا صحت هذه المعلومات، فإن التصعيد المحتمل يعكس تحولاً مهماً في حسابات موسكو: بدلاً من انتظار اختراق دبلوماسي، قد تلجأ روسيا إلى زيادة الضغط العسكري بهدف تغيير الظروف التي ستجري في ظلها أي مفاوضات مستقبلية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المحادثات الروسية الأوكرانية تواجه صعوبات كبيرة، فيما أكدت موسكو استعدادها لمناقشة أفكار جديدة، لكنها تربط أي اتفاق بما تصفه بـ«الحقائق على الأرض».
وهذا يعني أن الكرملين لا يبدو مستعداً لتقديم تنازلات كبيرة في الوقت الحالي، خصوصاً في ظل استمرار القتال على الجبهات الرئيسية.
لماذا كييف؟
استهداف العاصمة الأوكرانية يملك أهمية عسكرية وسياسية تتجاوز حجم الأضرار المادية.
كييف هي مركز القرار السياسي والعسكري في أوكرانيا، وأي حملة صاروخية مكثفة عليها يمكن أن تكون رسالة مباشرة إلى القيادة الأوكرانية، كما يمكن أن تستخدمها موسكو لإظهار قدرتها على الوصول إلى قلب الدولة الأوكرانية رغم استمرار الدعم الغربي.
والأخطر أن التقارير تتحدث عن احتمال استخدام صواريخ باليستية، وهي أسلحة تمثل تحدياً كبيراً لمنظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.
وشهدت كييف بالفعل خلال الأيام الماضية هجمات روسية كثيفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ففي هجوم كبير وقع في 20 أغسطس، قُتل ما لا يقل عن 16 شخصاً وأصيب العشرات، بينما واجهت الدفاعات الجوية الأوكرانية صعوبة كبيرة في اعتراض الصواريخ الباليستية.
نقطة ضعف خطيرة: الدفاع الجوي الأوكراني
أحد العوامل التي قد تشجع موسكو على تكثيف الضربات هو الضغط المتزايد على مخزون أوكرانيا من صواريخ الدفاع الجوي، خصوصاً صواريخ باتريوت الأمريكية الصنع.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أوكرانيا تواجه نقصاً في صواريخ الاعتراض القادرة على مواجهة بعض الصواريخ الباليستية، في وقت تواصل فيه روسيا زيادة إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهنا تظهر معادلة خطيرة: كلما زادت روسيا من استخدام الصواريخ الباليستية، اضطرت أوكرانيا إلى استهلاك المزيد من صواريخ الاعتراض، ما يضع حلفاء كييف أمام ضرورة توفير إمدادات إضافية بصورة مستمرة.
موسكو ترد على التصعيد الأوكراني
التصعيد المحتمل لا يأتي من فراغ.
خلال الفترة الأخيرة، كثفت أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد أهداف داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالطاقة والصناعة والنقل.
وقد أعلنت موسكو في الأيام الأخيرة عن إجراءات جديدة لحماية البنية التحتية الروسية من الهجمات الأوكرانية، بينما حذرت القيادة الروسية من أن الضربات الأوكرانية ستقابل بردود عسكرية.
كما انتقد الكرملين الدعم البريطاني المتزايد لأوكرانيا في مجال الصواريخ بعيدة المدى، واتهم لندن بتصعيد الحرب وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية.
وبذلك تبدو الحرب وكأنها تدخل دائرة تصعيد متبادل: أوكرانيا تضرب أهدافاً داخل روسيا، وروسيا ترد بزيادة الضربات على المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
هل انتهت فرص السلام؟
ليس بالضرورة.
فحتى مع استعداد موسكو لتصعيد عسكري محتمل، لا يعني ذلك أن باب المفاوضات أغلق نهائياً.
بل إن زيادة الضغط العسكري قد تكون في حد ذاتها جزءاً من استراتيجية تفاوضية، إذ تحاول كل جهة تحسين موقفها على الأرض قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
موسكو تقول إنها مستعدة لأفكار جديدة، لكنها تريد أن تعكس أي تسوية ما تعتبره واقعاً عسكرياً وسياسياً قائماً. وفي المقابل، لا تزال كييف تسعى للحصول على ضمانات أمنية ودعم غربي، وترفض تسوية تكرس خسارة الأراضي الأوكرانية.
وبالتالي فإن المشكلة الأساسية ليست في غياب قنوات الاتصال فقط، بل في اتساع الفجوة بين شروط الطرفين.
أخطر سيناريو
الخطر الأكبر الآن هو أن تتحول الضربات المحدودة إلى حملة استراتيجية واسعة.
فإذا قررت موسكو بالفعل توسيع استخدام الصواريخ الباليستية واستهداف مناطق حساسة في كييف، فقد ترد أوكرانيا بتكثيف هجماتها بعيدة المدى داخل روسيا.
وهذا قد يؤدي إلى دائرة جديدة من التصعيد، خصوصاً مع استمرار تدفق الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا.
كما أن استهداف مراكز حضرية رئيسية والبنية التحتية للطاقة قد تكون له تداعيات إنسانية ضخمة، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء واستمرار هشاشة منظومة الطاقة الأوكرانية بعد سنوات من الضربات الروسية.
وتشير تقييمات حديثة إلى أن الضربات الروسية المتراكمة ألحقت بالفعل أضراراً كبيرة بشبكة الطاقة الأوكرانية.
الرسالة إلى واشنطن وأوروبا
أي تصعيد روسي واسع سيضع الولايات المتحدة والدول الأوروبية أمام اختبار جديد.
فإذا تعرضت كييف لحملة صاروخية كبيرة، ستزداد الضغوط على الغرب لتوفير مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى.
وفي المقابل، قد ترى موسكو أن زيادة الدعم الغربي لأوكرانيا تؤكد أن الضغط العسكري هو الوسيلة الوحيدة لإجبار خصومها على إعادة حساباتهم.
وهنا تكمن المفارقة: كلما طال أمد الحرب، أصبح تحقيق السلام أكثر صعوبة، لأن تكلفة التراجع السياسي ترتفع لدى الطرفين.
ماذا بعد؟
المعلومات المنقولة عن مصادر قريبة من الكرملين لا تعني أن قراراً نهائياً بشن حملة جديدة قد اتُخذ، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشراً على الخيارات التي تدرسها موسكو، وليس إعلاناً رسمياً عن هجوم وشيك.
لكن المؤشرات العسكرية الأخيرة تجعل احتمال التصعيد أمراً يستحق المتابعة.
روسيا تواصل إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأوكرانيا تكثف هجماتها داخل الأراضي الروسية، ومحادثات السلام تواجه جموداً، بينما تتزايد الضغوط على الدفاعات الجوية الأوكرانية.
وفي هذه اللحظة، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل ستعود روسيا وأوكرانيا إلى طاولة المفاوضات؟
بل أصبح السؤال الأخطر:
من سيحاول أولاً تغيير ميزان القوى على الأرض قبل العودة إلى طاولة المفاوضات؟
إذا كانت المعلومات المنقولة عن دوائر الكرملين دقيقة، فقد تكون موسكو تستعد لاستخدام الصواريخ ليس فقط كسلاح عسكري، وإنما كورقة ضغط سياسية ضخمة، بهدف إرسال رسالة إلى كييف والغرب مفادها أن استمرار الجمود الدبلوماسي قد يعني مواجهة عسكرية أكثر قسوة.











