انقرة – المنشر_الاخباري
استدعت تركيا سفير أوكرانيا في أنقرة، على خلفية هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت سفينتين مرتبطتين بتركيا في البحر الأسود خلال الأسبوع الجاري، في حادثة أثارت مخاوف جديدة بشأن انتقال تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى حركة الملاحة التجارية في المنطقة.
وبحسب المعطيات المتداولة، تعرضت سفينة الشحن Lider Bordo Mavi لهجوم بثلاث طائرات مسيّرة أثناء إبحارها من مدينة سامسون التركية باتجاه ميناء توابسي الروسي، حيث كانت تنقل شحنة من الخضروات. وأسفر الهجوم عن إصابة خمسة من أفراد طاقم السفينة.
ولم تتوقف التطورات عند هذا الحد، إذ تعرضت سفينة أخرى، هي Lider Kocatepe، لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء توجهها لمساعدة السفينة الأولى، ما زاد من حدة القلق التركي بشأن سلامة السفن المدنية التي تتحرك في البحر الأسود.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا في المخاطر التي تواجه الملاحة التجارية، مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتوسع استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف المواقع والمنشآت والأهداف المرتبطة بالصراع.
وأعربت أنقرة عن قلقها من تعرض السفن المدنية للخطر، ودعت إلى فرض وقف متبادل للهجمات التي تستهدف حركة الشحن التجاري، في محاولة لمنع تحول البحر الأسود إلى ساحة أكثر خطورة أمام السفن التي تنقل المواد الغذائية والبضائع بين الموانئ المطلة عليه.
ويعكس التحرك التركي حساسية أنقرة تجاه أمن الملاحة في البحر الأسود، الذي يمثل منطقة استراتيجية بالنسبة إلى تركيا، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية. كما أن استمرار استهداف السفن التجارية يمكن أن ينعكس على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، ويزيد من تكاليف النقل والتأمين البحري.
في المقابل، ترى أوكرانيا أن البحر الأسود أصبح بالفعل منطقة حرب، وتؤكد أن السفن التي تواصل التجارة مع روسيا يجب أن تأخذ المخاطر الأمنية في الاعتبار. وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة على نطاق واسع.
ويضع هذا التطور أنقرة أمام معادلة صعبة، إذ تحاول تركيا الحفاظ على علاقاتها مع كييف وموسكو في الوقت نفسه، بينما تسعى إلى منع توسع الصراع ليهدد مصالحها المباشرة وأمنها البحري.
وتتمتع تركيا بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ تتحكم عبر مضيقي البوسفور والدردنيل في الممر البحري الذي يربط البحر الأسود بالبحر المتوسط. ولذلك فإن أي تدهور كبير في الوضع الأمني داخل البحر الأسود يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود الدول المتحاربة.
كما أن استهداف سفن مرتبطة بتركيا يمثل تطورًا حساسًا بالنسبة إلى أنقرة، خصوصًا إذا تكرر أو توسع ليشمل مزيدًا من السفن التجارية. فالحكومة التركية تواجه ضغوطًا للحفاظ على أمن الملاحة وحماية مصالح الشركات والسفن التركية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع أي من طرفي الحرب.
وتأتي حادثة Lider Bordo Mavi وLider Kocatepe في سياق أوسع من المخاوف بشأن سلامة السفن المدنية في البحر الأسود. فمع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، أصبح من الصعب الفصل بصورة كاملة بين المجال العسكري والممرات البحرية المستخدمة للتجارة، الأمر الذي يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم طرق الإبحار والمخاطر المرتبطة بها.
ويُنظر إلى الدعوة التركية لفرض وقف متبادل للهجمات على السفن المدنية باعتبارها محاولة لتوفير حد أدنى من الحماية للملاحة التجارية، خصوصًا أن استمرار استهداف السفن قد يؤدي إلى عزوف بعض الشركات عن استخدام موانئ المنطقة أو فرض رسوم تأمين مرتفعة على الرحلات البحرية.
وفي الوقت نفسه، فإن موقف أوكرانيا الذي يؤكد أن البحر الأسود منطقة حرب يسلط الضوء على التعقيدات التي تواجه أي محاولة لإبعاد السفن التجارية عن تداعيات الصراع. فالسفن التي تتجه إلى الموانئ الروسية أو تغادرها تتحرك في بيئة أمنية متوترة، وقد تصبح عرضة لأضرار جانبية أو لهجمات تستهدف أهدافًا مرتبطة بالجانب الآخر.
ومن شأن استمرار هذه الحوادث أن يزيد الضغوط على تركيا للعب دور دبلوماسي أكبر من أجل حماية الملاحة التجارية ومنع التصعيد البحري. كما قد تدفع الحوادث المتكررة الدول والشركات إلى البحث عن ترتيبات جديدة لضمان سلامة السفن المدنية في البحر الأسود.
وفي ظل استمرار الحرب، يبقى البحر الأسود واحدًا من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين تركيا وروسيا وأوكرانيا. ومع دخول السفن التجارية في دائرة المخاطر المباشرة، قد تتحول سلامة الملاحة إلى ملف رئيسي في التحركات الدبلوماسية التركية خلال المرحلة المقبلة.










