بورتسودان- المنشر_الاخباري
تتسع دائرة المفاجآت المحيطة بالحرب في السودان مع ظهور معلومات جديدة تتحدث عن اتصالات سرية رفيعة المستوى بين قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، ودائرته المقربة من جهة، ومسؤولين إسرائيليين من جهة أخرى، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول التحالفات التي تتحرك خلف ستار الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وبحسب تقارير إعلامية، لم تقتصر هذه الاتصالات على قنوات سياسية عابرة، بل امتدت إلى مستويات أمنية واستخباراتية، فيما تشير المعلومات إلى زيارات قام بها مقربون من قيادة الدعم السريع إلى تل أبيب خلال فترة الحرب، ولقاءات مع مسؤولين إسرائيليين.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تضيف طبقة جديدة إلى صراع أصبح منذ اندلاعه ساحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، بعدما تحولت المعركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى أزمة تتجاوز حدود السودان.
زيارات إلى تل أبيب وسط الحرب
تشير المعلومات المتداولة إلى أن عبد الرحيم دقلو والجنوني دقلو، وهما من أبرز الشخصيات المحيطة بقيادة قوات الدعم السريع، توجها إلى إسرائيل في مايو 2025، قبل أن تتكرر الزيارة في فبراير 2026.
وتحدثت التقارير عن لقاءات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الإسرائيلية وشخصيات مرتبطة بأجهزة أمنية واستخباراتية.
وتثير هذه التحركات علامات استفهام كبيرة، خصوصًا أنها جاءت بينما كانت الحرب السودانية تشهد تصعيدًا واسعًا وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ونزوح الملايين.
كما تطرح الزيارات سؤالًا أساسيًا حول طبيعة الملفات التي يمكن أن تكون قد نوقشت خلال هذه اللقاءات، وما إذا كانت الاتصالات اقتصرت على القضايا السياسية والأمنية أم شملت ترتيبات أخرى.
ولا توجد حتى الآن معلومات علنية كافية تسمح بتحديد طبيعة هذه اللقاءات بصورة قاطعة، كما لم تعلن إسرائيل تفاصيل رسمية بشأنها.
علاقات أمنية قبل انفجار الحرب
المثير في القضية أن الحديث عن العلاقات بين قوات الدعم السريع وجهات إسرائيلية لا يبدأ مع اندلاع الحرب.
فقد ظهرت خلال السنوات الماضية تقارير تتحدث عن حصول جهات مرتبطة بالدعم السريع على تقنيات متقدمة للمراقبة واختراق الهواتف، بما في ذلك معدات مرتبطة بأنظمة تستخدم في جمع المعلومات والوصول إلى الأجهزة الإلكترونية.
وفي حال تأكدت هذه الروابط، فإنها تعني أن قنوات التعاون الأمني والتقني كانت موجودة قبل اندلاع المعارك في أبريل 2023، وأن الحرب ربما كشفت فقط جزءًا من شبكة علاقات كانت تتحرك بعيدًا عن الأضواء.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن امتلاك أدوات المراقبة والاختراق الإلكتروني يمكن أن يمنح أي طرف في صراع داخلي قدرة أكبر على تتبع الاتصالات والحصول على المعلومات والتحرك بصورة أكثر فاعلية.
الإمارات.. الحليف الخارجي الأبرز
لكن إسرائيل ليست الطرف الوحيد الذي ارتبط اسمه بقوات الدعم السريع.
فالإمارات تواجه منذ سنوات اتهامات بتقديم دعم لقوات حميدتي، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي بصورة متكررة.
وتشير تقارير وتحقيقات دولية إلى وجود شبكات إمداد إقليمية ساهمت في وصول أسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع، بينما تواصل الإمارات التأكيد على أنها لا تدعم أي طرف عسكري في الحرب.
وبينما تتجه الأنظار إلى طبيعة العلاقة المحتملة بين حميدتي وإسرائيل، تبقى شبكة الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع واحدة من أكثر الملفات غموضًا وحساسية في الحرب السودانية.
لماذا السودان مهم لإسرائيل؟
لا يمكن فصل أي اهتمام إسرائيلي بالسودان عن الموقع الجغرافي شديد الحساسية للبلاد.
فالسودان يطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويقع في نقطة تربط بين شمال أفريقيا والشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
ويمثل استقرار البحر الأحمر وتأمين طرق الملاحة فيه قضية استراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل، خصوصًا في ظل التوترات المتزايدة التي تشهدها المنطقة.
كما أن السودان يمتلك موقعًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي، ما يجعل أي نفوذ خارجي داخله ذا انعكاسات تتجاوز الأراضي السودانية.
حرب السودان.. صراع بأيدٍ كثيرة
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية داخلية.
فمع مرور الوقت، ظهرت اتهامات متبادلة بشأن تدخلات خارجية وتمويل وتسليح الأطراف المتحاربة، بينما تحركت قوى إقليمية ودولية للحفاظ على نفوذها ومصالحها داخل السودان.
وأدى ذلك إلى تعقيد فرص إنهاء الحرب، في وقت يعيش فيه ملايين السودانيين أزمة إنسانية ضخمة، مع استمرار النزوح وتدمير البنية التحتية واتساع رقعة القتال.
وفي هذا السياق، فإن أي معلومات عن اتصالات أمنية بين قيادة الدعم السريع وإسرائيل تكتسب أهمية سياسية كبيرة، لأنها قد تكشف جانبًا آخر من الصراع الدائر خلف الكواليس.
حميدتي أمام شبكة علاقات معقدة
يحاول حميدتي منذ بداية الحرب الحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات الخارجية، في وقت يتعرض فيه لضغوط دولية متزايدة بسبب الانتهاكات المنسوبة إلى قواته.
وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حميدتي، بينما تعرض عدد من قادة قوات الدعم السريع لعقوبات وإجراءات دولية بسبب اتهامات تتعلق بانتهاكات خطيرة خلال الحرب.
ومع ذلك، استمرت قيادة الدعم السريع في التحرك خارجيًا، مستفيدة من أهمية السودان الجيوسياسية ومن المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية.
وهنا تكمن أهمية الحديث عن الاتصالات الإسرائيلية؛ فإذا ثبت وجودها واستمرارها، فإنها ستعني أن قيادة الدعم السريع كانت تعمل على بناء قنوات اتصال مع أطراف متعددة، حتى في ظل الضغوط الدولية عليها.
ماذا يوجد خلف الأبواب المغلقة؟
تبقى طبيعة العلاقة بين قيادة الدعم السريع وإسرائيل السؤال الأكثر غموضًا.
فالمعلومات المتداولة تتحدث عن لقاءات واتصالات، لكنها لا تقدم حتى الآن صورة مكتملة عن طبيعة التفاهمات التي ربما جرت خلف الأبواب المغلقة.
هل كانت الاتصالات مرتبطة بالمعلومات الاستخباراتية؟ أم بالتكنولوجيا والمراقبة؟ أم بمستقبل السودان والبحر الأحمر؟ أم أنها جاءت في إطار اتصالات سياسية أوسع؟
هذه الأسئلة ستظل مفتوحة إلى حين ظهور معلومات موثقة تكشف تفاصيل أكبر.
لكن المؤكد أن الحرب السودانية أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح دول عديدة، وأن ما يحدث على الأرض لا يعكس وحده حجم الصراع الحقيقي.
فخلف المعارك والخرائط المتغيرة، تتحرك شبكات من التمويل والسلاح والسياسة والاستخبارات، بينما يبقى المدنيون السودانيون هم الطرف الأكثر دفعًا لثمن هذه الحرب.
ومع استمرار القتال، قد تكشف الأيام المقبلة مزيدًا من التفاصيل عن العلاقات السرية والتحالفات التي تشكلت حول الصراع، وربما تعيد رسم فهم المشهد السوداني بالكامل.











