أنقرة – المنشر_الاخباري
وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمن الملاحة المدنية في البحر الأسود ضمن أولويات التحرك التركي، داعيًا إلى معالجة المخاطر المتزايدة التي تهدد حركة السفن التجارية، في وقت تتصاعد فيه تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على طرق النقل البحري وإمدادات الحبوب والأسواق العالمية.
وقال أردوغان، في تصريحات للصحفيين خلال عودته من قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بشكيك، إن أمن جميع عمليات النقل البحري المدني في البحر الأسود مسألة بالغة الأهمية، مشددًا على ضرورة التحرك من منظور أوسع من مجرد التعامل مع حادث منفرد، والعمل على إيجاد حل للمشكلة.
تركيا تتحرك لتأمين الملاحة
تأتي تصريحات أردوغان في وقت تكثف فيه أنقرة اتصالاتها بشأن مستقبل الملاحة التجارية في البحر الأسود، وسط تزايد المخاطر التي تواجه السفن المدنية نتيجة استمرار الحرب والهجمات المرتبطة بها.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أعلن، في 31 أغسطس/آب، أن بلاده أعدت خطة لضمان مرور آمن للحبوب عبر البحر الأسود، وأنها تجري اتصالات مع كل من روسيا وأوكرانيا بشأن المقترح. وقال إن تركيا تعمل على تهيئة الظروف لإمكانية التوصل إلى اتفاق جديد يشبه مبادرة البحر الأسود للحبوب التي توسطت فيها أنقرة والأمم المتحدة خلال الحرب.
ويعكس هذا التحرك محاولة تركية لمنع تحول البحر الأسود إلى منطقة أكثر خطورة على السفن التجارية، خصوصًا مع استمرار الاضطرابات التي أثرت على تدفقات الحبوب والطاقة وغيرها من السلع.
أردوغان: السلام وليس الحرب هو الحل
وربط الرئيس التركي بين معالجة أزمة الملاحة وضرورة إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكدًا أن أنقرة تريد أن تنتهي الحرب في أسرع وقت ممكن عبر السلام.
وأشار إلى أن تحقيق السلام يمثل هدفًا مشتركًا لتركيا، كما يتوافق مع الدعوات الروسية لإنهاء الحرب، مؤكدًا أن بلاده أبلغت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعدادها للقيام بكل ما يمكن من أجل الدفع باتجاه حل سلمي.
وتسعى أنقرة منذ بداية الحرب إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع موسكو وكييف، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين وموقعها الجغرافي الذي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في أمن البحر الأسود وحركة السفن بينه وبين البحر المتوسط.
أزمة الحبوب تعود إلى الواجهة
ولا تقتصر المخاوف التركية على سلامة السفن، إذ تحذر أنقرة من أن استمرار اضطراب الملاحة قد يعيد أزمة الحبوب إلى الواجهة، مع تداعيات مباشرة على الدول المستوردة، ولا سيما في إفريقيا.
وكان اتفاق مبادرة حبوب البحر الأسود، الذي توسطت فيه تركيا والأمم المتحدة في يوليو/تموز 2022، قد سمح بتصدير نحو 33 مليون طن من الحبوب الأوكرانية عبر ممرات آمنة خلال الحرب، قبل أن تنسحب روسيا من الاتفاق في عام 2023.
وتحاول تركيا حاليًا استكشاف إمكانية إعادة إحياء آلية مماثلة، فيما لم تتوصل موسكو وكييف حتى الآن إلى اتفاق جديد بشأنها.
ضغوط متزايدة على التجارة في البحر الأسود
وتأتي هذه التحركات بينما تواجه التجارة البحرية في المنطقة اضطرابات متزايدة. فقد دفعت الهجمات التي عطلت حركة الموانئ ومسارات الشحن بعض صادرات الحبوب الروسية إلى تغيير مساراتها باتجاه موانئ بحر البلطيق، في مؤشر على حجم الضغوط التي تتعرض لها طرق التجارة التقليدية في البحر الأسود.
وفي الجانب الأوكراني، أدت صعوبات العمل في موانئ البحر الأسود إلى زيادة الاعتماد على طرق بديلة عبر نهر الدانوب، مع تزايد أعداد السفن المنتظرة للوصول إلى الموانئ الأوكرانية.
وترى أنقرة أن استمرار هذا الوضع لا يمثل مشكلة روسية أو أوكرانية فقط، بل يحمل تداعيات أوسع على الأمن الغذائي العالمي وتكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع.
تحرك تركي بين موسكو وكييف
وتحاول تركيا من خلال تحركها الجديد الحفاظ على دور الوسيط بين روسيا وأوكرانيا، مع التركيز على الملفات التي يمكن أن تشكل مدخلًا لاتفاقات محدودة حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية.
ويأتي ملف أمن الملاحة والحبوب في مقدمة هذه الملفات، خصوصًا أن تأمين حركة السفن التجارية يمكن أن يوفر منفعة مباشرة للجانبين وللدول المستوردة، ويحد من الضغوط على الأسواق العالمية.
وبينما لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق شامل غير واضحة، تبدو أنقرة عازمة على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مع طرح ترتيبات جديدة لضمان سلامة الملاحة التجارية وتجنب تفاقم أزمة الحبوب.
وتشير تصريحات أردوغان الأخيرة إلى أن تركيا تنظر إلى أمن البحر الأسود باعتباره قضية إقليمية ودولية تتجاوز حدود الحرب الروسية الأوكرانية، وأن حماية السفن المدنية واستمرار تدفق السلع باتا جزءًا أساسيًا من التحرك التركي الهادف إلى خفض مخاطر الصراع والدفع نحو تسوية سلمية.








