أديس أبابا – المنشر_الاخباري
لم تعد العلاقة بين تركيا والصومال مجرد شراكة إنسانية أو تعاون أمني محدود. فعلى مدى نحو 15 عامًا، انتقلت أنقرة من تقديم المساعدات خلال أزمة المجاعة إلى بناء حضور واسع في مجالات الدفاع والبنية التحتية والتجارة والأمن البحري والطاقة، وصولًا إلى وجود عسكري تركي ممتد حتى عام 2028.
وفي الوقت الذي تواجه فيه الصومال أزمة سياسية متصاعدة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من الولايات الأعضاء، تكتسب الشراكة التركية أهمية أكبر، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا حساسًا: هل تساعد تركيا على بناء الدولة الصومالية، أم أن دعمها المتزايد للحكومة في مقديشو قد يعزز مركزية السلطة على حساب التوازن الفيدرالي؟
من مجاعة 2011 إلى شراكة استراتيجية
كانت نقطة التحول الكبرى في العلاقات الحديثة بين البلدين زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان رئيسًا للوزراء آنذاك، إلى الصومال في أغسطس 2011، في ذروة المجاعة التي ضربت منطقة القرن الأفريقي.
وتشير وزارة الخارجية التركية إلى أن الزيارة كانت تهدف إلى لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الكارثة الإنسانية وإظهار التضامن مع الشعب الصومالي، وأعقبتها واحدة من أكبر عمليات المساعدات الخارجية التركية، شاركت فيها وكالة التعاون والتنسيق التركية والهلال الأحمر ومنظمات غير حكومية.
وأعطى هذا الانخراط أنقرة مكانة مختلفة لدى قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي، خصوصًا مقارنة بنمط العلاقات الخارجية الذي كان يركز بدرجة كبيرة على مكافحة الإرهاب والأمن.
لكن المساعدات الإنسانية لم تبقَ جوهر العلاقة طويلًا.
فقد توسع الحضور التركي إلى المستشفيات والتعليم والبنية التحتية والطيران والتجارة، ثم انتقل بصورة واضحة إلى المجال العسكري.
توركسوم.. الذراع العسكرية للشراكة
في عام 2017، أنشأت تركيا مركز توركسوم للتدريب العسكري في مقديشو، ليصبح أحد أهم مراكز تدريب القوات الصومالية.
وتشير دراسة أكاديمية حول التعاون الدفاعي بين البلدين إلى أن المركز أُنشئ في إطار اتفاق للتعاون العسكري والتدريب، وأصبح جزءًا أساسيًا من الشراكة الدفاعية التركية الصومالية.
وتولت تركيا تدريب أعداد كبيرة من أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الصومالية، بما في ذلك وحدات غورغور، التي أصبحت من أبرز التشكيلات العسكرية المرتبطة بالحكومة الفيدرالية.
وتكمن أهمية هذا الدور في أن الصومال لا يزال يحاول إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية بعد عقود من الحرب وانهيار الدولة.
ومن منظور مقديشو، يمثل التدريب والدعم التركي فرصة لبناء قوات قادرة على مواجهة حركة الشباب والجماعات المسلحة وتعزيز قدرة الحكومة على فرض الأمن.
لكن المشكلة تظهر عندما يتداخل بناء القدرات العسكرية مع الصراع السياسي حول من يملك السلطة داخل الدولة الفيدرالية.
تركيا تمدد وجودها العسكري حتى 2028
في يوليو 2026، وافق البرلمان التركي على تمديد مهمة القوات التركية في الصومال لمدة عامين إضافيين، اعتبارًا من 27 يوليو 2026 وحتى يوليو 2028.
وبحسب القرار الرسمي للبرلمان التركي، يأتي الوجود في إطار دعم الصومال في مواجهة الإرهاب والقرصنة والصيد غير القانوني والتهريب والتهديدات الأمنية الأخرى، مع إمكانية نشر القوات في مناطق تشمل المجالات البحرية للصومال.
ويكشف القرار عن اتساع نطاق العلاقة.
فالمهمة التركية لم تعد مقتصرة على تدريب الجنود داخل قاعدة عسكرية في مقديشو، وإنما باتت مرتبطة أيضًا بالأمن البحري وحماية الموارد والمياه الإقليمية.
وتقول أنقرة إن استقرار الصومال مهم للمنطقة بأكملها، وإن التعاون يساعد على حماية الموارد الاقتصادية الصومالية وتعزيز أمن الطرق البحرية المهمة في خليج عدن وبحر العرب والمناطق المجاورة.
البحر.. البعد الجديد في النفوذ التركي
يمتلك الصومال ساحلًا طويلًا على المحيط الهندي وخليج عدن، وهو موقع يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة في واحدة من أهم مناطق التجارة البحرية العالمية.
وفي فبراير 2024، وقعت تركيا والصومال اتفاقية إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي لمدة عشر سنوات.
وبحسب الحكومة الصومالية، تتضمن الاتفاقية مساعدة تركيا في بناء وتدريب وتجهيز البحرية الصومالية، وتعزيز الأمن البحري، ومواجهة القرصنة والصيد غير القانوني والتهديدات الخارجية، إلى جانب التعاون الاقتصادي، خصوصًا في الموارد البحرية.
وهنا تبدأ العلاقة في الانتقال إلى مستوى مختلف.
فتركيا لا تساعد الصومال فقط على حماية أراضيه، وإنما تدخل بصورة أكبر في المجال البحري والاقتصادي للدولة.
وهذا يخلق مصالح مشتركة طويلة الأمد بين البلدين، لكنه يجعل العلاقة أيضًا أكثر ارتباطًا بالمصالح الاستراتيجية التركية.
من الأمن إلى النفط والغاز
بعد الاتفاق الدفاعي والاقتصادي، جاء قطاع الطاقة ليضيف بُعدًا آخر إلى العلاقة.
في مارس 2024، وقعت تركيا والصومال اتفاقًا حكوميًا للتعاون في استكشاف وتطوير النفط والغاز في الصومال، بما يشمل المناطق البرية والبحرية.
وأعلنت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية أن الاتفاق يشمل الاستكشاف والتقييم والتطوير والإنتاج والنقل والتكرير والتوزيع والبيع والخدمات المرتبطة بالنفط والغاز.
وقالت أنقرة صراحة إن الاتفاق يهدف أيضًا إلى تعزيز حضور تركيا في القرن الأفريقي من خلال شراكات جديدة في مجال الطاقة.
وفي أكتوبر 2024، أرسلت تركيا سفينة الأبحاث الزلزالية أوروتش رئيس إلى المياه الصومالية لجمع بيانات حول الموارد المحتملة.
وبحسب وزارة الطاقة التركية، جمعت السفينة بيانات في مساحة إجمالية بلغت نحو 4,465 كيلومترًا مربعًا في ثلاثة بلوكات بحرية. وفي يوليو من العام نفسه، وقعت تركيا اتفاقية تقاسم إنتاج لثلاثة بلوكات بحرية صومالية.
ثم توسع التعاون إلى البر أيضًا.
وفي أبريل 2025، وقعت شركة النفط التركية والهيئة الصومالية للبترول اتفاقًا للبحث عن الهيدروكربونات وإنتاجها في ثلاثة قطاعات برية تبلغ مساحتها نحو 16 ألف كيلومتر مربع.
وهكذا أصبح لتركيا في الصومال حضور يجمع بين العسكري والبحري والطاقة والاقتصاد.
لكن الصومال دخل في أزمة سياسية عميقة
تأتي هذه الشراكة المتنامية في وقت تمر فيه الصومال بأزمة سياسية حادة.
فالصراع لم يعد محصورًا في الخلاف حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، بل امتد إلى الدستور والانتخابات ومدد المسؤولين ومستقبل النظام الفيدرالي.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن الانقسامات على المستوى الفيدرالي انعكست على العلاقة مع الولايات الأعضاء، مع استمرار التوتر مع بونتلاند وجوبالاند، بينما أصبحت العلاقة مع جنوب غرب الصومال محورًا رئيسيًا للصراع.
وكانت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في 2026 أحد أهم مصادر الخلاف، إذ رفضتها قوى سياسية وولايات رأت فيها توسيعًا لصلاحيات الحكومة المركزية وتأجيلًا للاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا السياق، أصبح السؤال حول من يملك السلطة في مقديشو ومن يملكها في الولايات جزءًا من صراع أوسع على شكل الدولة الصومالية نفسها.
جنوب غرب الصومال.. الاختبار الأصعب
كانت ولاية جنوب غرب الصومال أبرز ساحات هذا الصراع.
ففي مارس 2026، تصاعد الخلاف بين الرئيس الفيدرالي حسن شيخ محمود ورئيس جنوب غرب الصومال آنذاك عبد العزيز حسن محمد لَفْتاغارين حول الانتخابات والتعديلات الدستورية.
وبعد أن أعيد انتخاب لفتاغارين، تدخلت القوات الفيدرالية وسيطرت على بيدوا في 30 مارس، ما أدى إلى استقالته ومغادرته السلطة.
وقد وصف محللون الخطوة بأنها اختبار خطير للعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، خصوصًا أن الصراع السياسي انتقل إلى استخدام القوة العسكرية.
وفي يونيو، انتُخب رئيس البرلمان الفيدرالي الشيخ آدم محمد نور مادوبي رئيسًا لولاية جنوب غرب الصومال، في عملية أثارت اعتراضات من منافسين سياسيين.
وبذلك أصبحت بيدوا رمزًا للصراع بين رؤيتين:
رؤية ترى أن الحكومة الفيدرالية يجب أن تمتلك سلطة أكبر لضمان وحدة الدولة وإجراء انتخابات وطنية موحدة، ورؤية تخشى أن يؤدي ذلك إلى تقويض استقلال الولايات الفيدرالية.
بيدوا تعود إلى واجهة القتال
في 17 أغسطس 2026، انفجر الصراع مجددًا في بيدوا.
فقد اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الفيدرالية وقوات موالية لفتاغارين، في واحدة من أعنف المواجهات التي شهدتها المدينة منذ سيطرة القوات الفيدرالية عليها في مارس.
وقالت رويترز إن القوات الفيدرالية تمكنت من إخراج قوات المعارضة من المدينة بعد قتال عنيف، وإن السكان تحدثوا عن سقوط عدد كبير من القتلى، بينما كانت المواجهات هي الأعنف منذ مارس.
وفي المقابل، قدمت الأطراف المتحاربة روايات مختلفة عن بداية القتال، فيما أعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن مواقع الجيش تعرضت لهجوم شاركت فيه عناصر من حركة الشباب ومليشيات موالية لفتاغارين، بينما تحدثت مصادر محلية عن مواجهة مباشرة بين القوات الفيدرالية والقوات الموالية للرئيس السابق.
وبغض النظر عن الروايات المتنافسة، فإن عودة القتال إلى بيدوا تحمل دلالة سياسية أكبر من مجرد اشتباك محلي.
فهي تؤكد أن الخلاف حول مستقبل جنوب غرب الصومال لم يُحسم سياسيًا، وأن السيطرة العسكرية على العاصمة الإقليمية لم تُنهِ الصراع.
أين تدخل تركيا في هذه المعادلة؟
هنا تصبح الشراكة التركية أكثر حساسية.
تركيا لا تعلن أنها طرف في الصراع السياسي بين مقديشو والولايات. بل تقدم وجودها على أنه دعم للحكومة الفيدرالية ولمؤسسات الدولة الصومالية، ومساعدة في مكافحة الإرهاب وحماية المياه والموارد.
لكن بعض التحليلات الأمنية تشير إلى أن وحدات صومالية مدعومة ومدربة من تركيا أصبحت جزءًا من البيئة الأمنية التي تدور فيها المواجهة بين الحكومة الفيدرالية وخصومها.
وقد أشار تقرير لـ Critical Threats Project في يوليو 2026 إلى أن قوات مرتبطة بلفتاغارين استهدفت في منتصف يوليو قاعدة تابعة لقوات غورغور المدعومة من تركيا في بيدوا.
وهذا لا يعني بالضرورة أن تركيا أصبحت طرفًا مباشرًا في الصراع السياسي، لكنه يكشف صعوبة الفصل بين التعاون العسكري التركي مع الحكومة الفيدرالية وبين الصراعات السياسية التي تستخدم فيها القوات التي تدعمها أنقرة.
هل تقوي تركيا الدولة أم الحكومة؟
هذه هي النقطة المركزية في الجدل.
من وجهة نظر الحكومة الصومالية، لا يمكن بناء دولة قوية من دون جيش وطني ومؤسسات أمنية قادرة على فرض القانون ومواجهة حركة الشباب.
ومن هذه الزاوية، فإن الدعم التركي يساعد على بناء مؤسسات طال انتظارها.
لكن خصوم الحكومة يرون المشكلة بصورة مختلفة.
فإذا امتلكت الحكومة الفيدرالية قوة عسكرية أكبر من الولايات، بينما لا يوجد اتفاق سياسي واضح حول توزيع الصلاحيات والانتخابات والدستور، فقد تتحول عملية بناء الدولة إلى عملية تركيز للسلطة.
وهنا تظهر المفارقة:
قد تكون الأدوات التي تساعد الحكومة على بناء الدولة هي نفسها الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الحكومة لتوسيع نفوذها داخل النظام الفيدرالي.
وهذا لا يعني أن تركيا تتعمد تقويض الفيدرالية الصومالية، بل يعني أن طبيعة الدعم العسكري في بيئة سياسية منقسمة يمكن أن تكون لها نتائج سياسية تتجاوز أهداف الجهة الداعمة.
مقديشو تحتاج تركيا.. وتركيا تحتاج مقديشو
العلاقة بين البلدين تقوم أيضًا على اعتماد متبادل.
مقديشو تحتاج إلى تركيا بسبب ما توفره من تدريب عسكري واستثمارات ودعم دبلوماسي وخبرة في البنية التحتية والطاقة والأمن البحري.
وفي المقابل، أصبحت لتركيا مصالح كبيرة في الصومال.
فالاستثمارات في النفط والغاز، والأمن البحري، والتجارة، والموقع الجغرافي، والعلاقات مع الحكومة الصومالية، كلها تجعل استقرار الدولة الصومالية ذا أهمية مباشرة لأنقرة.
ولهذا، فإن تركيا تحتاج إلى حكومة صومالية مستقرة وقادرة على تنفيذ الاتفاقات.
لكن الاستقرار الذي تريده أنقرة قد لا يكون بالضرورة الاستقرار نفسه الذي تريده الولايات المعارضة لمقديشو.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
الأزمة الإنسانية تضاعف المخاطر
لا تحدث هذه التطورات في فراغ.
فالصومال يواجه في الوقت نفسه أزمة إنسانية قاسية.
وبحسب بيانات حديثة، يواجه نحو 6.5 مليون شخص مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي في 2026، بينما يُتوقع أن يعاني نحو 1.9 مليون طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد خلال العام. كما تواجه المنظمات الإنسانية نقصًا كبيرًا في التمويل.
وفي بيدوا تحديدًا، تتفاقم الأزمة.
وتشير ACAPS إلى أن المدينة تستضيف أكثر من 540 ألف نازح، وأن نحو نصف الأطفال الذين شملهم مسح حديث في مواقع النزوح كانوا يعانون من سوء التغذية الحاد، بينما يعاني ربعهم من سوء تغذية شديد. كما أدت تخفيضات التمويل إلى إغلاق أكثر من 200 مرفق صحي وتغذوي في أنحاء الصومال.
وهذا يجعل الصراع السياسي أكثر خطورة.
فكل مواجهة عسكرية في مدينة مثل بيدوا لا تهدد فقط التوازن السياسي، بل تضرب مباشرة سكانًا يعيشون أصلًا على حافة المجاعة والنزوح.
الطاقة قد تغير طبيعة العلاقة
إذا نجحت عمليات الاستكشاف التركية في اكتشاف موارد تجارية كبيرة، فقد تدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة تمامًا.
فالصومال يمكن أن يحصل على مصدر محتمل للإيرادات والاستثمار، بينما تحصل تركيا على فرصة لتوسيع وجودها في قطاع الطاقة في القرن الأفريقي.
لكن النفط والغاز يمكن أن يكونا أيضًا مصدرًا جديدًا للخلاف إذا لم يتم الاتفاق بوضوح على كيفية إدارة العائدات والموارد بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
وفي دولة لا تزال مؤسساتها الفيدرالية في طور التكوين، يمكن أن تتحول الموارد الطبيعية من أداة لبناء الدولة إلى مصدر جديد للتنافس على السلطة والثروة.
ولهذا، فإن نجاح الشراكة التركية في مجال الطاقة لن يعتمد فقط على العثور على النفط، وإنما أيضًا على قدرة الصومال على بناء مؤسسات شفافة وقواعد متوافق عليها لإدارة الموارد.
تركيا أمام اختبار سياسي
حتى الآن، تبدو تركيا مستفيدة من العلاقة.
فقد بنت في الصومال شريكًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، ووسعت حضورها في منطقة استراتيجية، ودخلت قطاع الطاقة، وعززت وجودها البحري.
أما الصومال، فقد حصل على شريك يقدم له قدرات لا يستطيع توفيرها بسهولة بمفرده.
لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا.
فكلما اتسع النفوذ التركي، ازدادت أهمية الطريقة التي تستخدم بها أنقرة هذا النفوذ.
إذا تمكنت تركيا من دعم بناء مؤسسات وطنية تشمل الحكومة الفيدرالية والولايات، والمساعدة في الوصول إلى تسوية سياسية بشأن الانتخابات والدستور وتوزيع الصلاحيات، فقد يصبح نفوذها عامل استقرار.
أما إذا ارتبط الدعم بصورة أكبر بتقوية السلطة المركزية في مواجهة خصومها السياسيين، فقد يؤدي، حتى من دون قصد، إلى زيادة الاستقطاب.
الخلاصة: من تقوية الحكومة إلى تقوية الدولة
لا يمكن إنكار أن تركيا قدمت للصومال دعمًا حقيقيًا ومهمًا خلال السنوات الماضية.
فمن المساعدات الإنسانية بعد مجاعة 2011، إلى بناء المنشآت وتدريب القوات، ثم التعاون في الأمن البحري والطاقة، أصبحت تركيا واحدة من أبرز شركاء الصومال.
لكن قوة الشراكة نفسها هي التي تجعلها أكثر حساسية.
فالصومال اليوم لا يحتاج فقط إلى جيش أقوى أو حكومة أقوى، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى توافق سياسي يحدد قواعد اللعبة بين مقديشو والولايات الأعضاء.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى أنقرة ليس ما إذا كانت تستطيع جعل الحكومة الصومالية أقوى.
بل:
هل تستطيع أن تجعل الدولة الصومالية أقوى من دون أن تجعل الصراع بين مكوناتها أكثر حدة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للشراكة التركية الصومالية.
فإذا ساعدت أنقرة على بناء جيش وطني ومؤسسات اقتصادية وبحرية تخضع لتوافق سياسي شامل، فإن نفوذها قد يصبح رافعة للاستقرار.
أما إذا أصبح الدعم العسكري والاقتصادي مرتبطًا بصورة وثيقة بموازين القوى داخل الصراع السياسي، فقد تتحول الشراكة التي بدأت بالمساعدات الإنسانية إلى عامل إضافي في أزمة الصومال.
وفي النهاية، لا يتعلق مستقبل النفوذ التركي في الصومال بحجم القواعد العسكرية أو عدد الاتفاقيات أو قيمة الاستثمارات وحدها، وإنما بقدرة أنقرة ومقديشو على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية:
هل الهدف هو بناء مقديشو أقوى، أم بناء صومال أقوى؟









