طهران – المنشر_الاخباري
لم يكن سكان بلدة كوهستك جنوب إيران يتوقعون أن تتحول ليلة زفاف إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. فبينما كانت عائلة تحتفل بزفاف داخل منزل سكني، دوّى انفجار هائل حوّل المكان إلى أنقاض، مخلفًا قتلى وعشرات الجرحى.
لكن المفاجأة لم تتوقف عند حجم المأساة، إذ خلص خبراء متخصصون في الأسلحة والذخائر، بعد فحص صور ومقاطع فيديو جرى التحقق منها، إلى أن نمط الأضرار يرجح أن يكون ناتجًا عن إصابة مباشرة بذخيرة أمريكية، وليس عن شظايا لصاروخ أصاب هدفًا قريبًا أو صاروخ دفاع جوي إيراني أخطأ مساره.
منزل الزفاف تحت النار
وقع الانفجار في كوهستك بمحافظة هرمزغان، بالقرب من مضيق هرمز، في الأول من سبتمبر، بالتزامن مع تنفيذ القوات الأمريكية ضربات في جنوب إيران.
وأفادت التقارير بأن القوات الأمريكية كانت تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت اتصالات ورادارات، فيما قال مسؤولون أمريكيون إن ضربة استهدفت برج اتصالات على بعد نحو 135 مترًا فقط من المنزل الذي كان يقام فيه حفل الزفاف.
وبعد دقائق، كان المنزل قد تعرض لدمار شديد، فيما تناثرت بقايا الحفل والحطام في المكان، وسقط عدد من الضحايا بين قتيل وجريح.
وأفادت تقارير أولية بمقتل أربعة أشخاص وإصابة 68 آخرين، قبل أن ترتفع حصيلة القتلى لاحقًا إلى خمسة أشخاص، بينهم طفل يبلغ أربعة أعوام وامرأة تبلغ 22 عامًا، فيما اقترب عدد المصابين من 70.
لماذا يرجح الخبراء الذخيرة الأمريكية؟
ركز الخبراء في تحليلهم على طبيعة الدمار وموقع الانفجار وزاوية الإصابة.
وبحسب تحليل رويترز، رأى ثلاثة من أربعة خبراء أن الأدلة المتاحة ترجح استخدام سلاح أمريكي، بينما اعتبروا أن فرضية تعرض المنزل لشظايا ناتجة عن الضربة الموجهة إلى برج الاتصالات القريب لا تفسر حجم الأضرار.
كما استبعد الخبراء بدرجات متفاوتة فرضية أن يكون صاروخ دفاع جوي إيراني قد أصاب المنزل بالخطأ، مستندين إلى شكل الأضرار وغياب بعض العلامات التي عادة ما تصاحب انفجار رؤوس حربية مضادة للطائرات.
ويشير هذا التحليل إلى احتمال بالغ الحساسية: أن تكون الذخيرة قد أصابت المنزل الذي كان يحتضن حفل الزفاف مباشرة، بدلًا من الهدف العسكري المقصود.
واشنطن: نحقق في الأمر
ورغم هذه النتائج، لم تعلن الولايات المتحدة رسميًا تحملها مسؤولية إصابة منزل الزفاف.
وأكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن واشنطن تحقق في الواقعة، مشيرًا إلى أن الجيش الأمريكي لا يستهدف المدنيين، وأن التحقيق ضروري لمعرفة ما حدث وتحديد ما إذا كان هناك خطأ عسكري.
كما أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية أنها على علم بالتقارير المتعلقة بالحادث وتراجع ملابساته.
وهذا يعني أن المسؤولية القانونية والعسكرية عن الضربة لا تزال قيد البحث، حتى مع ترجيح خبراء مستقلين أن تكون ذخيرة أمريكية قد أصابت الموقع مباشرة.
«صاروخ أمريكي» في قلب التحقيق
وزادت بقايا الذخائر التي ظهرت في الصور من علامات الاستفهام حول الحادث.
وقال أحد الخبراء إنه تمكن من التعرف على بعض الأجزاء باعتبارها مكونات مرتبطة بذخائر أمريكية، إلا أن الصور وحدها لم تثبت بشكل قاطع أن هذه القطع انتُشلت من المنزل المتضرر نفسه.
وبالتالي، تبقى هذه الأدلة قرائن تحتاج إلى تحقيق ميداني شامل لتحديد مصدر الذخيرة التي أصابت المنزل.
طفل بين الضحايا.. والزفاف ينتهي بالجنازة
الأكثر مأساوية في الحادث أن من بين الضحايا طفلًا في الرابعة من عمره كان ضمن الموجودين في موقع الاحتفال.
وفي اليوم التالي، تحولت أجواء الفرح في كوهستك إلى جنازة، حيث خرج المشيعون حاملين نعوش الضحايا، بينما بدت آثار الانفجار والدمار واضحة في المكان.
وأثارت الواقعة موجة غضب واسعة في إيران، خصوصًا مع سقوط مدنيين خلال عملية عسكرية كانت تستهدف، بحسب واشنطن، منشآت مرتبطة بالقدرات العسكرية والاتصالات الإيرانية.
حادث يعيد ملف الضحايا المدنيين إلى الواجهة
ولا تأتي مأساة كوهستك بمعزل عن الجدل المتزايد حول الخسائر المدنية خلال الحرب الأمريكية الإيرانية.
فقد أعادت الضربة إلى الواجهة حادثًا سابقًا وقع في فبراير عندما دُمرت مدرسة في مدينة ميناب خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وسط تقارير إيرانية تحدثت عن مقتل عدد كبير من الأطفال والمعلمين.
والآن، مع ظهور تحليل جديد يرجح أن تكون ذخيرة أمريكية قد أصابت منزل الزفاف مباشرة، تواجه واشنطن اختبارًا جديدًا أمام الرأي العام الدولي: هل كان ما حدث خطأ في الاستهداف، أم انحرافًا للذخيرة عن هدفها، وكيف انتهت قنبلة موجهة إلى موقع عسكري محتمل فوق منزل يحتفل فيه مدنيون بزفاف؟
الإجابة النهائية تبقى معلقة على نتائج التحقيق الأمريكي، لكن ما كشفه تحليل الخبراء يجعل مأساة كوهستك واحدة من أكثر حلقات الحرب إثارة للجدل، خصوصًا بعدما تحولت ليلة يفترض أن تكون بداية حياة جديدة إلى مأساة دفعت عائلة كاملة ثمن الحرب.








