الخرطوم – المنشر_الاخباري
عادت قضية استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية إلى الواجهة بقوة، بعد ظهور ملف استخباراتي يتضمن مئات الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل، ويقدم، بحسب ما نقلته تقارير أمريكية، تفاصيل عن برنامج سري داخل القوات المسلحة السودانية لتطوير واستخدام ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال عام 2024.
وتكتسب المعلومات الجديدة أهمية خاصة لأنها تتزامن مع الموقف الأمريكي الذي خلص إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في الحرب، وهو ما دفع واشنطن إلى فرض إجراءات عقابية على السودان. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في مايو 2025 إن العقوبات ستظل قائمة إلى أن يتم تدمير جميع الأسلحة الكيميائية ومنشآت إنتاجها تحت تحقق دولي.
ملف استخباراتي يكشف برنامجًا سريًا
وبحسب المعلومات الواردة في الملف الذي استندت إليه التقارير، فإن وحدة عسكرية سودانية عملت خلال عدة أشهر من عام 2024 على تطوير ذخائر قادرة على نشر غاز الكلور، بهدف استخدامها ضد قوات الدعم السريع التي تخوض حربًا مفتوحة مع الجيش منذ أبريل 2023.
ويتضمن الملف، وفق هذه الرواية، مخططات لذخائر وتجارب عسكرية وصورًا ومقاطع فيديو، إلى جانب اتصالات ورسائل منسوبة إلى ضباط كبار في القوات المسلحة السودانية.
وتشير المعلومات إلى أن البرنامج لم يكن مجرد محاولة ميدانية محدودة، وإنما شمل تطوير نماذج أولية وإجراء اختبارات عليها قبل استخدامها في عمليات عسكرية.
ومن بين أبرز الأسماء الواردة في الملف، جنرال سوداني يُشار إليه باسم حسين، وتقول الوثائق إنه أشرف على منشأة كانت تعمل على تجميع نماذج أولية من ذخائر الكلور.
تجربة جوية تكشف طبيعة السلاح
وتشير الوثائق إلى أن إحدى التجارب جرت في يوليو 2024، عندما أقلعت طائرة شحن من مطار مروي شمال السودان لإجراء اختبار على ذخيرة تعتمد على الكلور.
وبحسب الرسائل المنسوبة إلى المسؤول العسكري، نجحت التجربة في إصابة الهدف ونشر الغاز، قبل أن تصدر توجيهات بالحفاظ على المشروع في أقصى درجات السرية.
وتكشف هذه التفاصيل، إذا ثبتت صحتها، أن استخدام المواد الكيميائية لم يكن مجرد حادث عارض في ساحة القتال، وإنما جزءًا من عملية تطوير وتجربة لسلاح جديد داخل المؤسسة العسكرية.
من أين جاء الكلور؟
من أكثر جوانب القضية حساسية ما يتعلق بمصدر المواد المستخدمة في إنتاج الذخائر.
وتشير المعلومات الواردة في الملف إلى أن جزءًا من غاز الكلور المستخدم في هذه العمليات ربما جاء من منشأة مدنية لمعالجة المياه في السودان.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة؛ فالكلور مادة أساسية في عمليات تنقية المياه ومكافحة انتشار الأمراض، خصوصًا الكوليرا، ولذلك تستخدمه منظمات إغاثة دولية في مشروعات المياه بالسودان.
وبحسب الوثائق التي نقلتها التقارير، تلقت إحدى منشآت معالجة المياه في الخرطوم إمدادات من الكلور خلال فترة الحرب، فيما ظهرت معلومات تشير إلى احتمال استخدام جزء من هذه الإمدادات في البرنامج العسكري.
ولا يعني ذلك، في حد ذاته، ثبوت مسؤولية المنظمات الإنسانية عن أي استخدام عسكري للمادة، بل يفتح سؤالًا منفصلًا حول كيفية وصول المواد المخصصة للاستخدام المدني إلى منشآت مرتبطة بالعمليات العسكرية.
هل كان البرهان على علم بالبرنامج؟
الجزء الأكثر حساسية في الملف يتعلق بمستوى معرفة القيادة العليا للجيش السوداني بالبرنامج.
وتشير الرسائل والاتصالات التي يتضمنها الملف، بحسب التقارير، إلى أن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ربما كان على علم بالجهود المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت عقوبات على البرهان في يناير 2025، في إطار إجراءاتها المرتبطة بالحرب السودانية.
لكن إثبات المسؤولية الشخصية عن إصدار أوامر باستخدام أسلحة كيميائية يتطلب أدلة مستقلة وواضحة، وهو ما يجعل التحقيق الدولي في هذه القضية عنصرًا أساسيًا لتحديد سلسلة القيادة والمسؤولين عن القرارات.
محاولة للتحقيق.. ولكن النتيجة تثير التساؤلات
وبحسب المعلومات المتداولة، أنشأ البرهان لاحقًا لجنة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية بشأن استخدام الجيش للأسلحة الكيميائية.
لكن المفارقة أن أحد العسكريين الذين ارتبط اسمهم بالبرنامج الكيميائي ورد أنه شارك في عمل اللجنة نفسها، بحسب الوثائق التي تستند إليها التقارير.
وعندما قدمت اللجنة تقريرًا مرحليًا في يوليو، خلصت إلى أنها لم تجد دليلًا على امتلاك القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية.
وهنا تتصادم روايتان بشكل مباشر: رواية أمريكية تستند إلى معلومات استخباراتية وتقول إن أسلحة كيميائية استخدمت، ورواية سودانية تنفي العثور على هذه الأسلحة.
لماذا يخشى المجتمع الدولي تكرار الأمر؟
خطورة القضية لا تتوقف عند الحرب السودانية نفسها.
فإذا ثبت أن طرفًا في النزاع نجح في تطوير واستخدام ذخائر كيميائية، فإن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال انتقال الخبرات المتعلقة بتصنيع هذه الأسلحة أو استخدامها إلى جماعات مسلحة أخرى.
وتحظر اتفاقية الأسلحة الكيميائية تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وامتلاكها واستخدامها، كما تفرض نظامًا دوليًا للتحقق من التخلص منها.
ولهذا، فإن أي إثبات لاستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان قد يتحول من قضية مرتبطة بالحرب الأهلية إلى ملف دولي يتعلق بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
واشنطن تشدد الضغط
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في مايو 2025 فرض إجراءات ضد السودان بسبب ما وصفته باستخدام الأسلحة الكيميائية، وقالت إن الخرطوم مطالبة بتدمير الأسلحة ومنشآت الإنتاج تحت إشراف وتحقق دوليين حتى يتم رفع العقوبات.
ويعني ذلك أن واشنطن لا تتعامل مع القضية باعتبارها مجرد اتهام إعلامي، وإنما وضعتها ضمن ملف رسمي يتعلق بالأسلحة الكيميائية.
ومع ظهور معلومات جديدة عن طبيعة البرنامج المزعوم، تتزايد الدعوات إلى إجراء تحقيق دولي مستقل يحدد ثلاث نقاط رئيسية: هل استخدمت القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية فعلًا؟ ومن أصدر الأوامر؟ وكيف وصلت المواد الكيميائية إلى الوحدات العسكرية؟
ملف أخطر من مجرد اتهامات
الحرب في السودان دخلت عامها الرابع، ولا تزال القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تتصارعان على السيطرة على البلاد، وسط أزمة إنسانية هائلة.
لكن ملف الأسلحة الكيميائية يضيف بُعدًا أكثر خطورة إلى الحرب، لأنه لا يتعلق فقط بالانتهاكات المحتملة ضد المدنيين، بل باحتمال وجود برنامج عسكري لتطوير سلاح محظور دوليًا.
وإذا تأكدت المعلومات الواردة في الملف الاستخباراتي، فإن القضية لن تكون مجرد استخدام محدود للكلور في معركة، وإنما ستطرح سؤالًا أكبر حول كيفية إنشاء البرنامج، ومن شارك فيه، ومن سمح باستمراره، وما إذا كانت المعرفة المتعلقة به لا تزال موجودة داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
ولهذا تبدو الحاجة إلى تحقيق دولي مستقل أكثر إلحاحًا، ليس فقط لتحديد المسؤولين عن أي استخدام للأسلحة الكيميائية، وإنما لمنع تكرارها أو انتقال تقنياتها إلى جماعات مسلحة أخرى في المنطقة.









