أديس- المنشر_الاخباري
تتجه أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما فشلت الجهود الأمريكية في التوصل إلى اتفاق ينهي الخلاف المستمر بين مصر وإثيوبيا بشأن تشغيل السد وقواعد ملء خزان المياه، في وقت بدأت فيه القاهرة في توسيع تحركاتها الإقليمية والدولية لمواجهة ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي.
وفي تطور لافت، دخلت الصين على خط الأزمة، معلنة موقفًا داعمًا لمصر بشأن أهمية نهر النيل بالنسبة إليها، في خطوة قد تضيف بعدًا دوليًا جديدًا إلى واحدة من أكثر الأزمات حساسية في القارة الأفريقية.
سد النهضة.. مشروع إثيوبي يتحول إلى أزمة إقليمية
يمثل سد النهضة الإثيوبي، الذي أقامته أديس أبابا على النيل الأزرق، محور نزاع طويل مع مصر والسودان. وترى إثيوبيا أن المشروع يمثل ركيزة أساسية لخططها التنموية وتوفير الطاقة الكهربائية، بينما تخشى مصر من أن يؤدي تشغيل السد وملء خزانه دون اتفاق ملزم إلى التأثير في حصتها من مياه النيل، الذي تعتمد عليه بصورة أساسية في مياه الشرب والزراعة ومختلف الأنشطة الاقتصادية.
ومع استمرار الخلاف حول قواعد تشغيل السد وآليات التعامل مع فترات الجفاف، تحولت القضية من خلاف فني حول إدارة المياه إلى أزمة سياسية وأمنية ذات أبعاد إقليمية، خصوصًا مع تصاعد التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي.
بعد تعثر الوساطة الأمريكية.. القاهرة تبحث عن أوراق جديدة
تأتي التحركات المصرية في أعقاب تعثر الجهود التي قادتها الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية بين القاهرة وأديس أبابا. وبحسب التقرير، لم تتمكن واشنطن من دفع إثيوبيا إلى توقيع اتفاق بشأن السد، في وقت تبدو فيه قدرة الإدارة الأمريكية على ممارسة ضغوط فعالة على أديس أبابا محدودة.
ونقل التقرير عن مايكل حنا، من مجموعة الأزمات الدولية، أن من الصعب رؤية كيفية تمكن الولايات المتحدة من إجبار إثيوبيا على تقديم تنازلات بشأن السد، في ظل تمسك أديس أبابا بموقفها من المشروع.
ويعكس ذلك، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما لم تعد المفاوضات وحدها كافية لتحقيق اختراق بين الطرفين.
مصر توسع تحركاتها في القرن الأفريقي
في ظل استمرار الأزمة، اتجهت القاهرة إلى تعزيز علاقاتها وتحالفاتها مع عدد من الدول المحيطة بإثيوبيا، من بينها إريتريا والصومال، في إطار تحركات تستهدف زيادة الضغط السياسي والإقليمي على أديس أبابا.
ويشير التقرير إلى أن بناء هذه العلاقات العسكرية والسياسية مع دول الجوار الإثيوبي يعكس محاولة مصرية لتكوين شبكة من الشراكات في منطقة القرن الأفريقي، بما يمنح القاهرة أوراقًا إضافية في التعامل مع أزمة سد النهضة.
وتكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية خاصة في حسابات الأمن المائي المصري، بالنظر إلى موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بحوض النيل والبحر الأحمر، فضلًا عن التنافس الإقليمي والدولي المتزايد على النفوذ فيها.
موقف مصري أكثر تشددًا تجاه أزمة السد
ومع تعثر المفاوضات، يبدو أن القاهرة تتعامل مع أزمة سد النهضة باعتبارها قضية تتجاوز حدود الخلاف حول المياه، لتصبح جزءًا من معادلة أمنية وسياسية أوسع.
وبحسب التصريحات المنقولة في التقرير عن مايكل حنا، فإن الموقف المصري بات أكثر تشددًا، مع سعي القاهرة إلى الوصول إلى صيغة تدفع إثيوبيا نحو الدخول في اتفاق بشأن السد، أو مواجهة ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة.
ويكشف هذا الموقف عن حجم الإحباط المصري من المسار التفاوضي، خصوصًا بعد سنوات من المحادثات التي لم تنجح في إنهاء الخلاف بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
الصين تدخل المشهد.. دعم واضح لمصر
وسط هذه التطورات، برز الدور الصيني باعتباره عنصرًا جديدًا في الأزمة. وخلال لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالرئيس الصيني شي جين بينغ في القاهرة، جرى توقيع اتفاق كبير حمل، وفق التقرير، رسائل سياسية مهمة بشأن قضية المياه.
وبحسب ما نقلته صحيفة «إيجيبت توداي»، أكدت الصين الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي للبلاد، كما أقرت بحق مصر في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية.
ويمثل هذا الموقف تطورًا مهمًا بالنسبة للقاهرة، خاصة أن الصين تتمتع بعلاقات قوية مع إثيوبيا، ما يجعل دخولها على خط أزمة النيل ذا دلالة سياسية تتجاوز مجرد التعاون الثنائي بين بكين والقاهرة.
بكين تدعو إلى احترام القانون الدولي
لم يقتصر الموقف الصيني على التأكيد على أهمية النيل بالنسبة إلى مصر، إذ دعت بكين، وفق التقرير، إثيوبيا وغيرها من دول المنبع إلى الالتزام بالقانون الدولي وتجنب اتخاذ إجراءات من شأنها إلحاق الضرر بمصالح دول المصب.
ويأتي هذا الموقف في وقت تسعى فيه مصر إلى حشد دعم دولي لموقفها الرافض لأي إجراءات أحادية بشأن مياه النيل، وتؤكد باستمرار ضرورة التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق ومصالح الأطراف الثلاثة.
ومن شأن تبني الصين لهذا الموقف أن يضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد، خصوصًا أن بكين تعد من القوى الدولية ذات النفوذ المتنامي في أفريقيا.
مقابل الدعم.. القاهرة تؤكد مبدأ «الصين الواحدة»
وفي المقابل، جددت مصر تأكيد التزامها بمبدأ «الصين الواحدة»، مع الاعتراف بأن تايوان جزء من الصين، وهو الموقف الذي يمثل أحد الثوابت الرئيسية في السياسة الخارجية الصينية.
ويأتي ذلك في إطار العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين القاهرة وبكين، والتي لا تقتصر على الملف المائي، بل تشمل مجالات سياسية واقتصادية وتنموية متعددة.
ويشير هذا التزامن بين الموقف الصيني الداعم لأمن مصر المائي والتأكيد المصري على مبدأ «الصين الواحدة» إلى اتساع نطاق الشراكة بين البلدين، في وقت تتزايد فيه أهمية التحالفات الدولية بالنسبة إلى القاهرة في إدارة أزمة سد النهضة.
النيل يتحول إلى ساحة تنافس دولي
ومع دخول الصين بصورة أكثر وضوحًا على خط أزمة سد النهضة، لم يعد النزاع بين مصر وإثيوبيا محصورًا في الإطار الأفريقي أو في نطاق المفاوضات الفنية الخاصة بتشغيل السد.
فالقضية أصبحت تتقاطع مع تنافس دولي على النفوذ في أفريقيا، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، في وقت تحاول فيه كل قوة دولية تعزيز حضورها وعلاقاتها مع دول القارة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن الحصول على دعم قوة دولية بحجم الصين يمكن أن يمثل ورقة دبلوماسية إضافية في مواجهة إثيوبيا، بينما تظل القاهرة بحاجة إلى اتفاق واضح يضمن عدم الإضرار بمصالحها المائية.
أزمة مفتوحة.. والدبلوماسية أمام اختبار جديد
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمة سد النهضة لا تزال بعيدة عن التسوية النهائية، رغم سنوات من المفاوضات والوساطات الدولية والإقليمية.
فبينما تتمسك إثيوبيا بالسد باعتباره مشروعًا استراتيجيًا للتنمية وتوليد الكهرباء، تنظر مصر إلى مياه النيل باعتبارها قضية وجود وأمن قومي، وهو ما يجعل هامش المناورة بين الطرفين ضيقًا للغاية.
ومع تعثر الوساطة الأمريكية ودخول الصين على خط الأزمة، إلى جانب تصاعد التحالفات المصرية في منطقة القرن الأفريقي، تبدو أزمة سد النهضة أمام مرحلة جديدة قد تتداخل فيها الحسابات المائية مع التحالفات العسكرية والسياسية والتنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا.
ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحركات ستدفع الأطراف نحو العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق ملزم، أم أن أزمة النيل ستواصل التحول إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر تعقيدًا في القارة الأفريقية.











