موسكو- المنشر_الاخباري
في تطور يعكس التحولات المتسارعة داخل حلف شمال الأطلسي، أجرت دول أوروبية وكندا تدريبات بحرية قبالة سواحل آيسلندا لمكافحة الغواصات، من دون مشاركة سفن أو طائرات أمريكية، في خطوة لافتة تعد الأولى من نوعها منذ عقود.
وتأتي المناورات في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الدول الأوروبية من النشاط العسكري الروسي في شمال الأطلسي، بالتزامن مع تراجع الحضور الأمريكي في أوروبا، الأمر الذي يدفع الحلفاء الأوروبيين وكندا إلى تحمل دور أكبر في حماية الممرات البحرية الحيوية.
غياب أمريكي لافت عن تدريبات شمال الأطلسي
وركزت التدريبات على عمليات البحث عن الغواصات وتعقبها، بمشاركة قوات أوروبية وكندية تولت الدور الرئيسي في المناورات التي جرت بالقرب من آيسلندا.
ويكتسب غياب القوات الأمريكية أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي لعبته الولايات المتحدة في العمليات البحرية لحلف الناتو، ولا سيما في مجال مراقبة شمال الأطلسي ومواجهة تهديد الغواصات الروسية.
وتعكس المناورات، وفق تقرير «بوليتيكو»، قدرة الحلفاء الأوروبيين وكندا على تولي مسؤوليات أكبر بصورة مستقلة في منطقة تعد من أهم المناطق الاستراتيجية بالنسبة لأمن الحلف.
«فجوة GIUK».. البوابة البحرية الحساسة
تركزت التدريبات بصورة خاصة على منطقة تعرف باسم فجوة GIUK، وهي الممر البحري الممتد بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة.
وتتمتع هذه المنطقة بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثل أحد أهم المسارات التي يمكن أن تستخدمها الغواصات الروسية التي تعمل بالطاقة النووية للانتقال من مناطقها الشمالية إلى المحيط الأطلسي.
ولهذا السبب، تعد مراقبة المنطقة وتعقب الغواصات التي تمر عبرها من المهام الأساسية للدول الأعضاء في الناتو، خصوصًا في ظل تنامي المخاوف بشأن قدرات البحرية الروسية ونشاطها في المياه المحيطة بأوروبا.
الغواصات الروسية في مرمى المراقبة
وتحظى الغواصات الروسية التي تعمل بالطاقة النووية باهتمام خاص من جانب الناتو، نظرًا لقدرتها على العمل لفترات طويلة تحت سطح البحر، والتحرك لمسافات بعيدة، وحمل أنظمة تسليحية متطورة.
ويجعل ذلك من اكتشافها وتعقبها في شمال الأطلسي تحديًا عسكريًا بالغ التعقيد، الأمر الذي يدفع دول الحلف إلى تطوير قدراتها في مجال الحرب المضادة للغواصات، بما في ذلك استخدام الطائرات والسفن وأنظمة الاستشعار البحرية.
ومن هنا تأتي أهمية التدريبات الأخيرة قبالة آيسلندا، التي تمثل موقعًا استراتيجيًا في قلب طرق الملاحة المؤدية إلى شمال الأطلسي.
أوروبا وكندا أمام مسؤولية أمنية أكبر
وتشير المناورات إلى تغير محتمل في توزيع الأدوار داخل حلف الناتو، مع تولي الدول الأوروبية وكندا مسؤوليات أكبر في الدفاع عن الجناح الشمالي للحلف.
ويأتي ذلك في ظل نقاش متزايد داخل أوروبا حول ضرورة تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الدعم الأمريكي، خاصة مع تزايد المخاوف من احتمال تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن القارة الأوروبية.
وفي هذا السياق، لا تمثل التدريبات مجرد مناورة عسكرية روتينية، وإنما تحمل رسالة بشأن استعداد الحلفاء الأوروبيين للعمل بصورة أكبر في مناطق استراتيجية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأمريكية.
تزايد المخاوف من روسيا
وتأتي هذه التحركات على خلفية تصاعد القلق الأوروبي بشأن النشاط العسكري الروسي، لا سيما في المناطق البحرية القريبة من شمال أوروبا والممرات التي تربط روسيا بالمحيط الأطلسي.
ويعتبر حلف الناتو أن حماية خطوط الاتصال البحرية ومراقبة النشاط تحت سطح البحر من العناصر الأساسية للدفاع عن أراضي دوله وبنيته التحتية الحيوية.
كما أن أهمية شمال الأطلسي لا تقتصر على الجانب العسكري، إذ تمر عبره طرق بحرية واتصالات وبنية تحتية حيوية تربط أمريكا الشمالية بأوروبا.
رسالة إلى موسكو.. وقد تكون أيضًا إلى واشنطن
تحمل التدريبات، في الوقت نفسه، رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجهة إلى روسيا، ومفادها أن دول الناتو تراقب التحركات البحرية الروسية وتعمل على تعزيز قدرتها على اكتشاف الغواصات وتعقبها.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالمشهد داخل الحلف نفسه، إذ توضح المناورات أن الحلفاء الأوروبيين وكندا يستعدون لتحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمن شمال الأطلسي في ظل التساؤلات حول مستقبل الدور الأمريكي في أوروبا.
وبذلك، تبدو المناورات قبالة آيسلندا أكثر من مجرد تدريب عسكري، فهي مؤشر على إعادة ترتيب الأدوار داخل الناتو، وعلى أن أوروبا وكندا تتجهان إلى تعزيز قدراتهما الدفاعية في مواجهة التحديات المتزايدة في شمال الأطلسي.
شمال الأطلسي.. جبهة استراتيجية جديدة
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر بين روسيا والغرب، بات شمال الأطلسي يحظى بأهمية متزايدة في الحسابات الأمنية الأوروبية.
وتضع تدريبات مكافحة الغواصات منطقة فجوة GIUK مجددًا في صدارة الاهتمام العسكري، باعتبارها نقطة استراتيجية يمكن من خلالها مراقبة حركة الغواصات الروسية ومنعها من الوصول بحرية إلى المحيط الأطلسي.
وفي ظل غياب أمريكي لافت عن التدريبات الأخيرة، تبرز أمام دول الناتو معادلة جديدة: هل تستطيع أوروبا وكندا تأمين شمال الأطلسي بقدراتهما الذاتية إذا استمر تراجع الدور الأمريكي؟ وهو سؤال قد يصبح أكثر إلحاحًا خلال السنوات المقبلة مع استمرار التوتر مع روسيا وإعادة تشكيل موازين القوة داخل الحلف.










