أديس أبابا- المنشر_الاخباري
في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للقرن الإفريقي، أقدمت صوماليلاند على خطوة دبلوماسية جديدة باتجاه إثيوبيا، بتعيين شرمرك أحمد محمد جيله سفيرًا لها لدى أديس أبابا، في تحرك يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الطرفين، وما إذا كانت هرجيسا تستعد لإعادة تنشيط أوراقها في ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
وأعلنت وزارة الخارجية في صوماليلاند تعيين جيله، مشيرة إلى خبرته الممتدة لنحو 15 عامًا في العمل الحكومي والعلاقات الدولية، وتوليه سابقًا مناصب قيادية داخل مؤسسات الدولة، فضلًا عن عمله نائبًا لسفير صوماليلاند لدى كينيا.
سفير جديد في توقيت حساس
لا يأتي اختيار جيله في وقت عادي، فالعلاقات بين صوماليلاند وإثيوبيا ترتبط بواحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة: الوصول إلى البحر الأحمر.
وتبحث إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، منذ سنوات عن منفذ بحري مستقر، فيما تمتلك صوماليلاند موقعًا استراتيجيًا على خليج عدن وميناء بربرة، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين تتجاوز التعاون التقليدي إلى حسابات استراتيجية تتداخل فيها التجارة والأمن والموانئ والنفوذ الإقليمي.
ومن هنا، فإن الدفع بدبلوماسي ذي خبرة إلى أديس أبابا قد يعكس رغبة هرجيسا في الحفاظ على قنواتها المباشرة مع القيادة الإثيوبية، حتى بعد التطورات التي أعادت ترتيب المشهد بين إثيوبيا والصومال.
ماذا حدث في صفقة البحر الأحمر؟
القصة تعود إلى يناير 2024، عندما وقعت إثيوبيا وصوماليلاند مذكرة تفاهم أثارت أزمة حادة مع الحكومة الصومالية.
وارتبطت المذكرة بترتيبات تمنح إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر عبر ساحل صوماليلاند، وسط تقارير عن ترتيبات تتعلق بالوجود البحري، مقابل خطوات سياسية واقتصادية قالت هرجيسا إنها يمكن أن تدعم مساعيها للحصول على اعتراف دولي.
لكن مقديشو رفضت الاتفاق بشدة، معتبرة أن صوماليلاند جزء من الأراضي الصومالية، وأن أي اتفاق يتعلق بأراضيها أو سواحلها لا يمكن إبرامه بمعزل عن الحكومة الفيدرالية.
وأدى الخلاف إلى توتر كبير بين الصومال وإثيوبيا، وتحول ملف البحر إلى نقطة اشتباك دبلوماسي هدد بتوسيع الأزمة في منطقة القرن الإفريقي.
إعلان أنقرة.. هل انتهت الصفقة؟
بعد أشهر من التصعيد، دخلت تركيا على خط الأزمة، ونجحت في دفع إثيوبيا والصومال إلى توقيع إعلان أنقرة في ديسمبر 2024.
وأكد الإعلان احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي البلدين، وفتح الباب أمام ترتيبات تجارية تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر في إطار يحترم السيادة الصومالية.
لكن التطورات اللاحقة لم تغلق الباب بشكل كامل أمام الجدل بشأن مذكرة إثيوبيا وصوماليلاند.
ففي الوقت الذي تقول فيه مقديشو إن إعلان أنقرة أصبح الإطار الحاكم للعلاقات مع أديس أبابا وإن مذكرة 2024 لم تعد ذات أهمية، لا تزال مسألة الوضع النهائي للمذكرة محل نقاش سياسي وإقليمي.
وهنا تبرز أهمية الخطوة الجديدة من هرجيسا.
هل تحاول هرجيسا إعادة فتح الملف؟
لا يوجد إعلان رسمي يقول إن تعيين جيله يهدف إلى إحياء مذكرة التفاهم، لكن توقيت الخطوة يفتح الباب أمام هذا التساؤل.
فصوماليلاند تدرك أن العلاقة مع إثيوبيا تمثل ورقة استراتيجية مهمة، خصوصًا في ظل حاجتها إلى دعم إقليمي ودولي لمساعيها للحصول على اعتراف أوسع باستقلالها.
كما أن استمرار التواصل مع أديس أبابا يمنح هرجيسا فرصة للحفاظ على حضورها في أي نقاشات مستقبلية تتعلق بالموانئ والوصول إلى البحر والتجارة الإقليمية.
ومن ثم، قد تكون مهمة السفير الجديد أقل ارتباطًا باتفاق واحد بعينه، وأكثر ارتباطًا بمنع تراجع العلاقة الإثيوبية-الصوماليلاندية وإبقاء جميع الخيارات مفتوحة.
إثيوبيا بين هرجيسا ومقديشو
المفارقة أن إثيوبيا تحاول في الوقت نفسه تحسين علاقاتها مع الحكومة الصومالية بعد أزمة 2024.
وقد أدى إعلان أنقرة إلى خفض مستوى التوتر وفتح مسار للحوار بين أديس أبابا ومقديشو، بينما أصبحت مسألة الوصول إلى البحر جزءًا من مفاوضات أوسع بين الحكومتين.
وبالتالي، تجد إثيوبيا نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على علاقاتها مع الصومال، مع عدم تجاهل أهمية موقع صوماليلاند الجغرافي ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وهنا يمكن أن يصبح السفير الجديد قناة مهمة للحوار، خصوصًا في ظل خبرته الحكومية والدبلوماسية السابقة.
ورقة بربرة لا تزال مهمة
ويبقى ميناء بربرة أحد أبرز عناصر القوة في حسابات هرجيسا.
فالميناء يقع على خليج عدن بالقرب من طرق التجارة الدولية، ويمنح صوماليلاند أهمية استراتيجية تتجاوز حجمها الجغرافي والاقتصادي.
وبالنسبة لإثيوبيا، يمثل الوصول إلى موانئ المنطقة مسألة استراتيجية واقتصادية، وهو ما يجعل أي ترتيبات مستقبلية بشأن بربرة أو غيرها من الموانئ محط اهتمام إقليمي ودولي.
لذلك، فإن تعزيز التمثيل الدبلوماسي لهرجيسا في أديس أبابا يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة للحفاظ على موقعها داخل هذه المعادلة، وليس مجرد تغيير إداري عادي.
خطوة أكبر من مجرد تعيين سفير
ويأتي تعيين جيله ضمن تحرك دبلوماسي أوسع لصوماليلاند لتعزيز علاقاتها الخارجية.
وتقول هرجيسا إن سفيرها الجديد سيعمل على توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والتاريخية مع إثيوبيا وتعزيز انخراط صوماليلاند في القارة الإفريقية.
لكن في ظل التنافس الإقليمي على البحر الأحمر وخليج عدن، يصعب تجاهل البعد الاستراتيجي للخطوة.
فهرجيسا لا تريد أن تجد نفسها خارج الحسابات إذا أعادت إثيوبيا ترتيب خياراتها البحرية، بينما تحاول في الوقت ذاته توسيع دائرة الدول التي تتعامل معها ودعم موقفها في ملف الاعتراف الدولي.
السؤال الأصعب.. ماذا تخطط هرجيسا؟
تعيين السفير الجديد لا يعني بالضرورة عودة مذكرة التفاهم إلى الحياة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد ذلك.
لكن الخطوة تحمل رسالة واضحة: هرجيسا لا تريد التخلي عن ورقتها الإثيوبية.
ومع استمرار حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، وتمسك الصومال بسيادته على أراضيه، وسعي صوماليلاند إلى تثبيت موقعها الإقليمي، يبدو أن ملف البحر الأحمر لم يُغلق تمامًا، بل دخل مرحلة جديدة أكثر هدوءًا وأقل صخبًا دبلوماسيًا.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكون السفير الجديد مجرد رجل دبلوماسية، أم أنه يحمل مهمة أكبر لإعادة تحريك ملف صفقة البحر الأحمر من خلف الكواليس؟








