واشنطن- المنشر_الاخباري
في الوقت الذي واصلت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن نجاح العمليات العسكرية ضد إيران، كان نائب الرئيس جي دي فانس يجري اتصالات مباشرة مع قادة وضباط في الجيش الأميركي للحصول على صورة أكثر وضوحًا عن حقيقة ما يجري على الأرض، وسط مخاوف متزايدة من استنزاف مخزونات الأسلحة والذخائر الأميركية.
وبحسب تقرير نقل عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، سعى فانس إلى الحصول على إجابات «صريحة وغير منقحة» من القادة العسكريين بشأن مسار الحرب، وحجم الخسائر، والأهداف التي تحققت، والأهم من ذلك مستوى المخزونات العسكرية التي تبقت لدى الولايات المتحدة بعد أشهر من القتال.
وتكشف هذه الاتصالات، وفق التقرير، عن فجوة لافتة بين التقييمات التي كان يسمعها فانس في اتصالاته الخاصة مع العسكريين، وبين الصورة التي كانت تقدمها الإدارة الأميركية للرأي العام بشأن سير الحرب ونتائجها.
فانس يبحث عن إجابات مباشرة من القادة
لم يكتفِ نائب الرئيس بالتقارير الرسمية التي تصله عبر القنوات المعتادة، بل لجأ، بحسب المسؤولين، إلى التواصل بصورة مباشرة مع قادة عسكريين أميركيين في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب ضباط ومسؤولين عسكريين في أوروبا وآسيا.
وبدأت هذه الاتصالات بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، ثم استمرت خلال الربيع والصيف، مع استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول بكثير من التقديرات الأولية التي وضعتها وزارة الدفاع الأميركية.
وكان فانس يريد، وفق التقرير، معرفة ما إذا كانت الأهداف العسكرية المحددة للحرب لا تزال قابلة للتحقيق، وما الذي يحدث فعليًا في ساحات القتال، وكيف تتعامل القوات الأميركية مع العمليات الإيرانية، إضافة إلى حجم الخسائر والتكاليف التي تتحملها الولايات المتحدة.
لكن أحد أكثر الملفات حساسية في هذه الاتصالات كان يتعلق بمخزونات الأسلحة الأميركية، وما إذا كان استمرار العمليات العسكرية يؤدي إلى استنزاف قدرات الجيش بصورة قد تؤثر على جاهزيته في أزمات أخرى.
تحذيرات بشأن صواريخ باتريوت
وجاءت الإجابات التي تلقاها فانس من بعض القادة العسكريين أكثر قتامة من التصريحات العلنية التي كانت تصدر عن الإدارة، بحسب التقرير.
وكانت منظومات الدفاع الجوي، وفي مقدمتها صواريخ «باتريوت»، في صدارة المخاوف التي عبر عنها القادة. وأشارت التقييمات التي وصلت إلى نائب الرئيس إلى أن مخزونات صواريخ الاعتراض كانت تتراجع بصورة مقلقة، وأن أحد مسارح العمليات العسكرية امتلك في أواخر الربيع أقل من 100 صاروخ اعتراض.
ويمثل هذا المستوى مصدر قلق كبير للقادة العسكريين، نظرًا إلى الدور الذي تؤديه منظومات «باتريوت» في حماية القوات والقواعد والمنشآت الحيوية من الصواريخ والهجمات الجوية.
ومع استمرار العمليات وتزايد الحاجة إلى الدفاعات الجوية، يصبح الحفاظ على مخزون كافٍ من صواريخ الاعتراض تحديًا استراتيجيًا، خصوصًا أن الولايات المتحدة لا تخوض مواجهة واحدة فقط، وإنما مطالبة في الوقت ذاته بالحفاظ على قدراتها العسكرية في مناطق أخرى من العالم.
استنزاف صواريخ ATACMS
ولم تتوقف المخاوف عند صواريخ «باتريوت»، إذ أشارت التقييمات التي تلقاها فانس أيضًا إلى استنزاف مخزونات صواريخ «نظام الصواريخ التكتيكية للجيش» أو ATACMS، وهي صواريخ يبلغ مداها نحو 190 ميلًا.
كما تأثرت مخزونات صواريخ «الضربة الدقيقة» التي يجري تطويرها لتحل محل ATACMS، في وقت كانت فيه الحرب تفرض طلبًا متزايدًا على الذخائر بعيدة المدى والدقيقة.
وبحسب التقرير، تحدث مسؤولون عن وصول مخزونات بعض الذخائر الأساسية إلى مستويات هي الأدنى التي شهدها الجيش الأميركي، ما أثار تساؤلات حول قدرة واشنطن على مواصلة العمليات لفترة طويلة دون التأثير على استعدادها لمواجهة تهديدات أخرى.
وهنا تحديدًا برز أحد الأسئلة الرئيسية التي طرحها فانس على القادة العسكريين: إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة أن تنقل مزيدًا من الأسلحة والذخائر إلى الشرق الأوسط، من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرتها على ردع خصوم آخرين، وفي مقدمتهم الصين وروسيا وكوريا الشمالية؟
حرب أطول من الحسابات الأولية
أحد أبرز أسباب القلق داخل المؤسسة العسكرية، وفق التقرير، هو أن الحرب استمرت لفترة أطول مما كانت تقديرات وزارة الدفاع الأميركية تتوقعه في البداية.
فالخطط والميزانيات الأولية بُنيت على افتراض أن العمليات ستستمر لفترة محدودة، قبل أن تمتد المواجهة وتفرض على الجيش الأميركي استهلاك كميات أكبر من الذخائر والموارد.
ومع كل أسبوع إضافي من القتال، لا يتعلق الأمر فقط بإطلاق مزيد من الصواريخ أو تنفيذ مزيد من الضربات، وإنما أيضًا بإعادة تزويد الوحدات العسكرية بالذخائر، والحفاظ على الدفاعات الجوية، وتأمين القواعد، وتعويض ما يتم استهلاكه من المخزون.
وهذا الاستنزاف يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت الحاجة إلى الذخائر، وكلما ارتفع الاستهلاك، أصبح الحفاظ على مخزونات كافية للتهديدات الأخرى أكثر صعوبة.
مضيق هرمز في قلب الحسابات
وشملت اتصالات فانس أيضًا تطورات مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة، إلى جانب تقييم الإجراءات الإيرانية وتأثيرها على العمليات الأميركية.
وكان نائب الرئيس يريد معرفة طبيعة التحديات التي تواجه القوات الأميركية، ليس فقط من الناحية العملياتية، وإنما أيضًا من حيث الموارد المطلوبة للحفاظ على وجود عسكري فعال في المنطقة.
وبحسب التقرير، ناقش فانس مع القادة الأهداف العسكرية والتكتيكات وتقديرات الخسائر، إلى جانب وضع القوات والمخزونات المتبقية، في محاولة لتكوين صورة شاملة عن الكلفة الحقيقية للحرب.
فجوة بين الغرف المغلقة والتصريحات العلنية
وتبرز أهمية هذه الاتصالات في أنها كشفت، بحسب المسؤولين الذين استند إليهم التقرير، عن اختلاف واضح بين ما كان يسمعه فانس في الغرف المغلقة وما كانت الإدارة الأميركية تعلنه أمام الرأي العام.
ففي الوقت الذي استمر فيه ترامب في التأكيد على نجاح العمليات والتقليل من المخاوف المرتبطة بمخزونات الأسلحة، كان بعض القادة العسكريين يقدمون تقييمات أكثر تحفظًا، محذرين من انخفاض مخزونات أسلحة وذخائر حيوية.
ولم يكن فانس، وفق التقرير، غافلًا عن هذه التباينات. لكنه، رغم تحفظاته السابقة على الحرب، لم يدخل في مواجهة علنية مع الرئيس، بل واصل الدفاع عن قرار الإدارة وسياساتها أمام الجمهور.
وهذا الموقف وضع نائب الرئيس أمام معادلة سياسية صعبة؛ فهو من جهة يتلقى تقييمات عسكرية تحذر من كلفة الحرب واستنزاف المخزونات، ومن جهة أخرى جزء أساسي من إدارة يقودها ترامب وتواصل تقديم الحرب باعتبارها نجاحًا عسكريًا.
فانس أمام اختبار سياسي وعسكري
وتكتسب المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى فانس نفسه، الذي لم يكن يمتلك قبل وصوله إلى منصب نائب الرئيس خبرة واسعة في ملفات الأمن القومي مقارنة بالعديد من المسؤولين العسكريين والسياسيين المخضرمين.
لكن استمرار الحرب وضعه مباشرة أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصًا مع ارتفاع تكلفتها واستمرار الأسئلة حول نتائجها.
ومع اقتراب المعركة السياسية الأميركية المقبلة، يمكن أن تصبح طريقة تعامل فانس مع الحرب وإدارته للملف العسكري جزءًا من إرثه السياسي، خاصة إذا استمر الجدل حول الكلفة البشرية والعسكرية والاستراتيجية للصراع.
ترسانة أميركا أمام معضلة الاستنزاف
وتشير الصورة التي رسمتها التقييمات العسكرية التي تلقاها فانس إلى أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ ضربة إضافية أو مواصلة عملية عسكرية جديدة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مخزون استراتيجي يسمح لها بالتحرك في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
فالولايات المتحدة مطالبة بالحفاظ على قدراتها في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه إبقاء قدرات كافية للتعامل مع أي تصعيد محتمل في أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن هنا جاء اهتمام فانس بالسؤال عن تأثير نقل الأسلحة إلى الشرق الأوسط على قدرة واشنطن على ردع الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
وبينما تؤكد التصريحات الرسمية نجاح العمليات العسكرية، فإن التقارير التي تلقاها نائب الرئيس من قادة عسكريين تقدم صورة أكثر تعقيدًا للحرب: مخزونات تتراجع، وذخائر حيوية يجري استهلاكها بوتيرة مرتفعة، وحرب تجاوزت الحسابات الأولية، ومؤسسة عسكرية تشعر بالقلق من أن استمرار القتال قد يترك أثرًا طويلًا على جاهزية الولايات المتحدة.
وهكذا وجد فانس نفسه أمام حقيقة مختلفة عما يظهر في الخطاب السياسي العلني؛ فخلف تصريحات «النصر» والتأكيدات الرسمية، كانت هناك حسابات عسكرية أكثر صعوبة تتعلق بالسؤال الأكبر: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تحمل حرب طويلة من دون أن تستنزف الأدوات التي تحتاج إليها لمواجهة خصوم آخرين حول العالم؟










