الرياض- المنشر_الاخباري
تصاعدت المواجهة العسكرية في اليمن بصورة حادة، مع تكثيف السعودية غاراتها الجوية على مواقع تابعة للحوثيين، بالتزامن مع تهديد الجماعة بالرد على ما وصفته بالتصعيد السعودي، في وقت تتسع فيه رقعة القتال على الساحل الغربي لليمن وتقترب المعارك من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق باب المندب.
وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، إن السعودية شنت، بحسب روايته، 129 غارة جوية خلال 48 ساعة على مناطق يمنية عدة، متوعدًا بأن هذه الضربات “لن تمر دون رد أو عقاب”. وأضاف أن الغارات طالت محافظات تعز ومأرب والحديدة والجوف وصعدة وعمران وحجة.
وبحسب سريع، شاركت في العمليات طائرات مقاتلة سعودية من طرازَي «إف-15» و«تايفون»، انطلقت من قواعد في خميس مشيط والطائف. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من العدد الذي أورده الحوثيون بشأن الغارات أو من تفاصيل جميع المواقع التي قالوا إنها تعرضت للقصف.
ويأتي التصعيد الجوي السعودي في وقت حقق فيه الحوثيون تقدمًا ميدانيًا كبيرًا على الساحل الغربي لليمن، بعدما سيطروا على مدينة المخا ومواقع استراتيجية على الطريق المؤدي إلى باب المندب. وأفادت مصادر يمنية بأن الجماعة تقدمت أيضًا باتجاه جزر استراتيجية في البحر الأحمر، في تطور يثير مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة الدولية.
ويكتسب القتال حول المخا وباب المندب أهمية استثنائية، إذ يقع المضيق عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويربطه بخليج عدن، ويمثل أحد الممرات الرئيسية لحركة السفن بين آسيا وأوروبا. وسيطرة الحوثيين على مواقع قريبة من هذا الممر تمنحهم قدرة أكبر على الضغط على السعودية وتهديد حركة السفن المرتبطة بها.
وقالت مصادر يمنية إن القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية أعادت الانتشار جنوبًا باتجاه مناطق قريبة من باب المندب، في محاولة لاحتواء تقدم الحوثيين. ووصفت الأمم المتحدة التطورات الأخيرة بأنها دخول الحرب في اليمن مرحلة أكثر خطورة، بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.
ويأتي التصعيد كذلك بعد سلسلة هجمات حوثية استهدفت الأراضي السعودية خلال الأيام الماضية، بما في ذلك مدن ومنشآت في جنوب المملكة. وقالت السعودية في وقت سابق إن الهجمات تسببت في إصابة عشرات الأشخاص وألحقت أضرارًا بمنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، ما دفع الرياض إلى تكثيف عملياتها العسكرية داخل اليمن.
وتزامن ذلك مع تطورات أخطر على مستوى أمن الطاقة، بعدما أغلقت السعودية مؤقتًا خط أنابيب النفط شرق-غرب عقب هجوم بطائرات مسيّرة قالت الرياض وبغداد إنه انطلق من الأراضي العراقية. ويشكل الخط مسارًا استراتيجيًا لنقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز، ما يجعل تعرضه للهجمات عامل ضغط إضافيًا على صادرات المملكة وأسواق الطاقة العالمية.
وفي المقابل، يواصل الحوثيون تعزيز مواقعهم على الساحل الغربي، في محاولة لترسيخ نفوذهم حول باب المندب. وقالت الجماعة إن عملياتها البحرية تستهدف السفن السعودية، بينما تؤكد أنها لا تريد تعطيل الملاحة الدولية بشكل عام. إلا أن التطورات الميدانية أثارت مخاوف دولية من احتمال توسع نطاق التهديد ليشمل حركة التجارة والطاقة في البحر الأحمر.
وتزداد حساسية الموقف مع دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة بصورة غير مباشرة. فبحسب تقارير أمريكية، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس دونالد ترامب دعمًا عسكريًا مباشرًا ضد الحوثيين، لكن واشنطن فضّلت حتى الآن تقديم دعم استخباراتي ومعلومات متعلقة بتحديد الأهداف، بدل الانخراط في ضربات أمريكية مباشرة داخل اليمن.
وتشير التطورات إلى أن المعركة لم تعد محصورة في صراع داخلي يمني، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر وأسواق النفط العالمية. كما أن التقدم الحوثي بات يمنح الجماعة ورقة استراتيجية جديدة، في وقت تواجه فيه الرياض ضغوطًا متعددة على مسارات تصدير النفط وأمن منشآتها الحيوية.
ومع تهديد الحوثيين بالرد على الغارات السعودية، يبدو أن الساعات والأيام المقبلة قد تشهد مزيدًا من التصعيد، خصوصًا إذا استمرت الضربات الجوية أو اتسعت الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية.
وتبقى النقطة الأكثر حساسية هي باب المندب؛ فكلما عزز الحوثيون مواقعهم حول المضيق، ارتفعت كلفة المواجهة بالنسبة للسعودية والولايات المتحدة، واتسعت المخاطر على حركة السفن والطاقة العالمية. ومع استمرار تبادل الضربات، تبدو فرص العودة السريعة إلى مسار التهدئة أكثر صعوبة، بينما يقترب اليمن مجددًا من حرب واسعة النطاق بعد سنوات من الهدوء النسبي.








