واشنطن- المنشر_الاخباري
أظهر تقرير دولي حديث تراجع مؤشرات الديمقراطية في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ نصف قرن، محذرًا من أن سياسات وإجراءات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسهمت في إضعاف سيادة القانون وتراجع عدد من المعايير الديمقراطية داخل البلاد وعلى المستوى الدولي.
ووفقًا للتقرير السنوي الصادر عن المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية «International IDEA»، ومقره العاصمة السويدية ستوكهولم، صنفت الولايات المتحدة منذ عام 2021 باعتبارها دولة تشهد «تراجعًا ديمقراطيًا»، فيما بدأت مؤشرات التدهور الملحوظ في المعايير الديمقراطية الأمريكية منذ عام 2019.
وأشار التقرير، الذي يستند إلى تقييم أوضاع الديمقراطية في 174 دولة ويتابع أداء الأنظمة الديمقراطية منذ عام 1975، إلى أن التراجع الأمريكي كان لافتًا بشكل خاص، لكنه يأتي في إطار تدهور أوسع شهدته الديمقراطية عالميًا خلال السنوات الأخيرة.
تركيز متزايد للسلطة
وبحسب التقرير، تمكن الرئيس دونالد ترامب من تجميع قدر متزايد من الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية، واستخدمها في السعي لتحقيق مجموعة محددة من الأهداف السياسية والشخصية، إلى جانب اتخاذ إجراءات تستهدف ما تعتبره الإدارة الأمريكية جهات أو شخصيات معادية لها.
ورأى معدو التقرير أن نتائج هذه السياسات كانت واسعة النطاق، مؤكدين أنها أضعفت سيادة القانون داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما شكلت اختبارًا للتحالفات التقليدية التي بنتها واشنطن على مدى عقود، وللتعاون متعدد الأطراف.
ويأتي نشر هذه النتائج في وقت تقترب فيه الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في نوفمبر، وسط مؤشرات على تنامي حالة الاستياء الشعبي من أداء الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري الحاكم.
سيادة القانون في صدارة المخاوف
ولم يقتصر التراجع الذي رصده التقرير على الولايات المتحدة، إذ أشار إلى انخفاض عدد من المؤشرات الأساسية للديمقراطية على المستوى العالمي، من بينها استقلال القضاء، ونزاهة الانتخابات ومصداقيتها، وحرية التعبير، وحرية الصحافة، وإمكانية الوصول إلى العدالة.
وأوضح التقرير أن عام 2025 كان العام الحادي عشر على التوالي الذي شهدت فيه دول أكثر تراجعًا في مستوى الديمقراطية مقارنة بالدول التي حققت تحسنًا، في أطول فترة متواصلة من التراجع منذ بدء المعهد تسجيل هذه البيانات.
وقال معدو التقرير إن التحديات العالمية التي تواجه الديمقراطية والصعوبات المرتبطة بوقف تآكلها تجسدت بشكل واضح خلال عام 2025 في التطورات السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة، معتبرين أن هذه التطورات ساهمت في تعميق الضغوط التي تواجه الأنظمة الديمقراطية حول العالم.
وصنف التقرير سيادة القانون باعتبارها أضعف مجالات الديمقراطية عالميًا خلال عام 2025، مشيرًا إلى أن 71 دولة، أي نحو 41% من الدول التي شملها التقييم، سجلت أداءً منخفضًا في هذا المجال، فيما شهدت 29 دولة تراجعًا في مؤشرات سيادة القانون.
تحذير من زيادة مخاطر الصراع
وحذر الأمين العام للمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، كيفن كاساس زامورا، من أن تدهور الديمقراطية لا يمثل مشكلة سياسية ومؤسسية فحسب، بل يمكن أن يؤدي أيضًا إلى زيادة مخاطر نشوب الصراعات.
ويأتي هذا التحذير في ظل تصاعد الخلافات السياسية والاستقطاب داخل الولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار الجدل حول صلاحيات السلطة التنفيذية، ودور القضاء، وحرية الصحافة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الفيدرالية والإدارة الرئاسية.
ويرى التقرير أن التراجع في هذه المجالات لا ينفصل عن الاتجاه العالمي الأوسع، لكنه يؤكد أن الولايات المتحدة شهدت تدهورًا أكثر وضوحًا في عدد من مؤشرات الحكم الديمقراطي.
استياء انتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي
وتزامنت نتائج التقرير مع استطلاع للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» بالتعاون مع مؤسسة «سينا»، أظهر ارتفاع مستوى عدم الرضا بين الناخبين الأمريكيين تجاه الرئيس ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وبحسب الاستطلاع، يتقدم المرشحون الديمقراطيون للكونغرس على الجمهوريين بفارق يقترب من تسع نقاط مئوية بين الناخبين المحتمل مشاركتهم في الانتخابات، بينما بلغت نسبة تأييد ترامب 38%.
كما أظهر الاستطلاع أن 71% من الناخبين لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع أزمة تكاليف المعيشة، وهي القضية التي أصبحت من أبرز الملفات التي تشغل الناخب الأمريكي مع اقتراب موعد التصويت.
وكانت الفجوة أكثر وضوحًا بين الناخبين المستقلين، إذ قال 57% منهم إنهم يعتزمون التصويت لمرشح ديمقراطي في انتخابات الكونغرس، مقابل 34% قالوا إنهم ينوون التصويت لمرشح جمهوري.
الاقتصاد عامل حاسم
وأظهر الاستطلاع كذلك أن نحو واحد من كل عشرة ناخبين، من الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين، لا يتفق مع أي من الحزبين الرئيسيين بشأن القضايا الاقتصادية.
وبحسب النتائج، بدا أن الديمقراطيين ينجحون في استقطاب جزء من هؤلاء الناخبين، وهو ما قد يمنحهم دفعة إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة لإدارة ترامب، إذ يمكن لنتائجها أن تحدد طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال المرحلة المقبلة، فضلًا عن تأثيرها في قدرة الإدارة على تمرير سياساتها الداخلية والخارجية.
وفي الوقت الذي يركز فيه التقرير الدولي على التراجع طويل الأمد في مؤشرات الديمقراطية، تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة إلى جانب أداء الإدارة ستلعب دورًا مهمًا في تحديد اتجاهات الناخبين خلال انتخابات نوفمبر.
وبذلك، يأتي التحذير الدولي بشأن تراجع الديمقراطية الأمريكية بالتزامن مع اختبار انتخابي مهم لإدارة ترامب، وسط تصاعد الجدل حول سيادة القانون واستقلال المؤسسات وحرية الصحافة، وتزايد المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي.










